الأمين الشابي يكتب: إلى متى سيتحمّل العالم ‘شطحات’ ترامب؟


كتب: الأمين الشابي
حسب الطبّ النفسي، الأمراض من نوع ‘العصابية’، لا تظهر أيّ أعرض على الشخص المصاب بها، ولا يظهر عليه تغير كلّي بل جزئي. ولكن الأخطر، أنّه لا يدرك أنّه مريض أو يعاني من اضطرابات؟
ويبدو وأنّ هذا الوصف ينطبق تماما عن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، موضوع ورقتنا هذه؟ كيف لا و العالم كلّه أصبح يعاني من شطحاته وهلوساته.. فهو يتحدّث، تارة، عن الاستيلاء عن قطاع غزّة ليجعل منه منتجعا سياحيا يملأ جيوبه دولارات و يساهم في انتفاخ أرصدته.. وطورا يخطط للاستيلاء والسيطرة على جزيرة “غرينلاند” وأخيرا وليس آخرا، نصّب نفسه رئيسا “لمجلس السلام”؟
لتفكيك كلّ هذه الألغاز المرضية، نطرح أسئلة – بعيدة طبعا عن عالم الطب النفسي – بل أسئلة موضوعية لتشريح هذه الشطحات البهلوانية لدى هذا المريض؟ من هذه الأسئلة، هل غزّة بهذه السهولة من أن يجعل منها ” منتجعا” بجرّة قلم؟ وأيضا هل أوروبا، بمختلف دولها، ستصمت أمام هذه الترّهات لهذا الأرعن؟ وأخيرا، ما وراء “مجلس السلام” الذي سيرأسه مهرّج بمواصفات عالمية؟
غـ . زة عصيّة عبر التاريخ
إذا كان أهل قطاع غـ .زّة – التي يسكنها أكثر من ملوني غـ. زاوي على مساحة لا تتجاوز 360 كيلومتر مربع – صمدوا لأكثر من سنتين وهم تحت النّار، وتحت القتل، وتحت البرد، وتحت العراء، وتحت كلّ أصناف العذاب والتعذيب، فكيف لهذا المعتوه أن يحوّل هذا القطاع – كما يزعم – إلى منتجع سياحي بدون اعتبار وأنّ من يسكنه لا يستحقونه وبالتالي لابدّ من إبادتهم على بكرة أبيهم؟ وكأنّ هذا الشعب محروم من أي مظهر من مظاهر الإنسانية؟
ولمن لم يدرك بعد صمود غـ .زّة عبر التاريخ، نورد له فقط بعض هذه المحطات في الصراعات التي شهدتها غزّة من الغزو والمقاومة.
فخلال القرن الثامن ق م، غزا الآشوريون فلسـ .طين بما في ذلك غـ .زّة باعتبار وأنّ غـ.زّة كانت مركزا مهما للتجارة والسياسة ما جعلها هدفا رئيسيا عبر التاريخ. ثمّ استولي عليها الاسكندر المقدوني سنة 332 ق م بعد حصار طويل لها مما جعله يعامل السكان بقسوة كرد فعل على مقاومتهم. ثمّ وخلال القرنين الرابع والثاني ق م كانت غزّة مسرحا لصراعات في الحروب اليونانية والسلوقية.
ولم تسلم غـ .زّة من البطش الاسرائيلي
وصولا إلى الفتوحات الإسلامية، بقيادة عمرو بن العاص (637 م) حيث استولى المسلمون على غـ .زّة من البيزنطيين وأصبحت جزءا من الحكم الإسلامي وشهدت فترة من الاستقرار النسبي، إلى أن أصبحت جزءا من الحروب الصليبية خلال القرنين 12 و13.. ولكن خلال الحرب العالمية الأولى استولى البريطانيون عليها وذلك سنة 1917. ومثّلت النكبة وحرب 1948 نكتة تحوّل في الصراع حيث أصبحت غـ. زّة ساحة صراع بين القوات العربية والإسرائيلية إلى أن تمّ احتلالها سنة 1967 إلى 2005 من قبل إسرائيل. ولكن وإن انسحب إسرائيل منها سنة 2005 من غـ. زّة فقد زلت ترزح تحت حصار إسرائيلي لعقود.
أمام هذا الجرد التاريخي المقاومي لغـ.زة، أعتقد جازما وأنّ الحلم بتحويلها إلى منتجع سياحي يبقى حبرا على ورق و لا يمكن تحقيقه أمام تضحيات أهل غـ. زّة وصمودهم الأسطوري.
جزيرة غرينلاند وأطماع ترامب
لم يكتف ترامب، بإشعال النّار في قطاع غـ .زّة، كما أسلفنا، بل أشعل ثقاب كبريت أخرى وفي منطقة أخرى أ لا وهي جزيرة غرينلاند ليخلط بذلك الأوراق في كامل أوروبا. ويبدو أنّه على وشك اشعال حرب جديدة بين أمريكا وأوروبا، وكأنّه لم يكتف بالحروب المشتعلة هنا وهنالك، ليضيف إليها نيرانا أخرى مشتعلة خاصة في العالم العربي.
يبدو وأنّه عاوده الحنين إلى أصله وفصله بالعود إلى ثقافة أجداده رعاة البقر. وبالتالي أيقظ فيه هذا الحنين، روح القرنصة والبطش والعربدة والصعلكة وروح التعالي والتسامي، معتمدا في كلّ ذلك على نرجسية لا نظير لها، وعلى منطق القوّة والبطش بالغير. وكلّ ذلك على حساب القيم النبيلة التي كانت أمريكا من دعاتها وأحد أعمدتها؟
هل يفشل كما فشل في غـ .زّة؟
لمواجهة هذا التحرش بالقارة الأوروبية وتحديدا حلمه بضمّ الجزيرة الاستراتيجية غرينلاند للسيادة الأمريكية، لم تصمت القارة العجوز على هذا التحدي والاستنقاص من وزنها. وعليه تمّ ارسال تعزيزات عسكرية فرنسية منها معدات بحرية وجوية وبرية إلى هذه الجزيرة تحسبا لكل مغامرة ترامبية غير محسوبة. خاصة وأنّ ترامب يدّعي، لتحقيق ذلك ولو بالخيار العسكري، حماية الأمن القومي في مواجهة النفوذ الروسي والصيني بالقطب الشمالي.
بل وصلت قبل ذلك إلى الجزيرة، لتنضم إلى التعزيزات الفرنسية، وحدات استطلاع من ألمانيا والسويد والنرويج في استعراض غير مسبوق للتضامن الأوروبي ضدّ التهديدات الأمريكية؟ وقد لوّح قادة أوروبيون “بأن غرينلاند ليست للبيع ولن تكون جزءا من الولايات المتحدة بأي حال من الأحوال” والسؤال هل تنجح شطحات ترامب وتضم هذه الجزيرة إلى سيادة الولايات الأمريكية أم سيكون مآلها الفشل كما فشل في “الانقضاض” على قطاع غـ .زة وجعلها منتجعا سياحيا؟
إلاّ إذا فقد ترامب صوابه وفعلها فستكون مواجهة كبيرة بينه وبين الدول الأوروبية. بل لم يكتف بذلك بل ذهب إلى فرض رسوم على الدول الأوروبية غير الموافقة على هذا التوجه الأمريكي بضمها لهذه الجزيرة إلى السيادة الأمريكية؟ وليضف لكل هذه الأوجاع، تنصيب نفسه على مجلس للسلام؟
ما وراء “مجلس السلام” الذي سيرأسه ترامب؟
بعد أن كشف البيت الأبيض عن تشكيلة مجلس السلام في غـ .زة الذي سيرأسه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، وقال إن المجلس سيضم شخصيات منها وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو والمبعوث الأمريكي ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر ورئيس الوزراء البريطاني الأسبق توني بلير. وأضاف البيت الأبيض أنه تم تعيين آرييه لايتستون وجوش غرونباوم مستشارين رفيعي المستوى بالمجلس. كما تم تعيين نيكولاي ملادينوف عضوا بالمجلس التنفيذي وسيشغل منصب الممثل السامي لغزة، وتعيين اللواء جاسبر جيفرز قائدا لقوة الاستقرار الدولية في غزة. كما أشار بيان البيت الأبيض إلى أن اللجنة الوطنية لإدارة غـ .زة سيرأسها علي شعث وسيشرف على استعادة الخدمات وإعادة بناء المؤسسات بالقطاع.
ودعا ترامب إلى التعاون مع اللجنة الوطنية لإدارة غـ. زة ومجلس السلام وقوة الاستقرار الدولية..
ظاهريا يعدّ مثل هذا البيان اشعارا واضحا بالانتقال إلى المرحلة الثانية لبرنامج ترامب في قطاع غـ. زة. ولكن بمثل هذه التشكيلة قد ينجح، خاصة وأنّها من أيّ تمثيل للجهة الفلسـ. طينية؟ ألا يعدّ ذلك كوصاية في مرحلة أولى على الشعب الفلسـ. طيني والذي قد يمهدّ إلى ما هو أخطر؟ ولماذا نصب ترامب نفسه على مثل هذا المجلس؟ فهل هو شخص محايد؟ لا أحد يعتقد ذلك.. بل هو وراء كل ما يجري الآن بفلسـ. طين عامة وبالقطاع بصفة خاصة؟ فكيف يكون حراميها هو حاميها؟ بل قد يمهد هذا المجلس إلى تحقيق حلم ترامب من قطع ولو جزءا من غـ.زة وإقامة منتجعه السياحي؟ وهل بإمكانه ذلك أمام مقاومة شرسة لا يعنيها شيئا تضحياتها أمام دفاعها عن أرضها ووطنها ومقدساتها؟
بل شخصيا ما أخشاه أن يكون هذا المجلس هو مقدمة لوأد القضية الفلسـ. طينية برمتها؟ وقد يلعب هذا المجلس دورا أساسيا لوأد كذلك المنتظم الأممي ليصبح العالم كلّه تحت طائلة ترامب ومجلسه الخطير؟ هذه أسئلة تفرض نفسها وتبحث بالتالي على أجوبة مقنعة لما يجري في عالمنا الذي عرف تطورا تكنولوجيا ولكن أيضا للمفارقة عاد للغطرسة و التناحر عبر استعمال القوّة؟
كلمة أخيرة
أعتقد جازما وأنّ عالمنا، صحيح، أنّه يمرّ بمرحلة مفصلية، وهو يعيش على وقع حروب قادمة قد لا تُبقي ولا تذر في وضع نشوء تكتلات جديدة وشطحات لا عقلانية؟…
ولكن في رأيي أهم تحوّل ستعيشه البشرية، ولا تفلح فيه، لا بلطجة ولا قوّة عسكرية، هو التحول المناخي نتيجة الاحتباس الحراري وما يعنيه ذلك من عودة عصر الجليد ثانية. وقد تكون ضحاياه الأوائل هي الولايات المتحدة الأمريكية وجل الدول الاسكندنافية باعتبار وأنّ هذه الظاهرة لا تتأثر بالشطحات “الترامبية” بل هي ردّة فعل الطبيعة جرّاء ما اقترفناه في حقّها؟ وسنعود بالتفصيل إلى هذا الموضوع في ورقة لاحقة؟




