عيسى البكوش يكتب/ عبد الرحمان مامي (1906-1954): الطبيب الشهيد


كتب: عيسى البكوش
من الناس في بلدنا هذا من يأخذ الدنيا مثلما أوصى أحمد شوقي ـ غلابا ـ ومن بين هؤلاء رجل نذر حياته لخدمة المجموعة حتى آخر لحظة من عمره الذي لم يتجاوز الخمسين…
هو عبد الرحمان مامي المولود في الثامن عشر من شهر سبتمبر من عام 1904، يقول عنه الصديق محمد علي بالحولة في كتابه المرجع ‘الطبيب التونسي’: هو أصيل عائلة من تستور نزحت من الأندلس وكان والده عمّي حسن مقرّبا إلى دوائر البايات، وكان ابنه عبد الرحمان مولعا منذ صغره بمجالسة كبار القوم فشاهد بدايات انطلاق الحركة الوطنية وكان شغوفا مثل والده بمطالعة الكتب الطبية العربية”.
فلا غرو إذن أن يلتحق وهو في سنّ السادسة عشر بوفد الوطنيين الذين توجّهوا إلى الباي الناصر سنة 1920 لتقديم مطالب الحركة.
درس الطب
وعلى كلّ فقد آل على نفسه أن يشارك بدوره في النهوض ببني وطنه وإسعافهم بما أنه اختار بعد تعلمه الثانوي الالتحاق بالطاقم الصحي بالمستشفى الصادقي ـ عزيزة عثمانة حاليا ـ ولكنه لم يقنع بخطة المعاون بل أخذ عصا الترحال وتوجه إلى فرنسا لمواصلة تعليمه في كلية الطب بباريس التي تخرّج منها سنة 1935 بعدما أبلى في مدينة النور كلّ البلاء في خدمة أترابه الطلبة التونسيين،
وكان من ضمنهم الحبيب ثامر الذي يعتبر الدكتور مامي مُلهمه..
عاد إذن إلى تونس واشتغل في المستشفى الآنف الذكر لمدة ثلاث سنوات ثم فتح عيادة خاصة بنهج المحرزي بالحاضرة، وعندما اندلعت أحداث 9 أفريل 1938 كان المسعف المداوي.
أحب وطنه..فاغتاله الاستعمار
يقول بالحولة: ” كان يحمل بين جنبيه حبّا كبيرا لوطنه وكان يقول: “ستنتهي مهزلة الاستعمار وستقيم تونس احتفالاتها تخليدا لذكرى انتصاراتها المجيدة عندما تنفرج الأزمات والكروب”.
كان قريبا من الأمين باي (1881-1962) من قبل أن يعتلي عرش أجداده ثمّ أصبح بمقتضى أمر مؤرّخ في 5 ماي 1952 طبيبه الخاص. ولقد استغلّ مامي هذا الموقع ليكون واسطة بين الدستوريين والقصر، وكان من المؤثرين في مواقف الباي وبخاصّة عندما عُرضت عليه إصلاحات المقيم العام
De Hautecloque يوم 28 جويلية 1952 فأشار إليه بجمع الأربعين شخصية وطنية والنظر في هذا المشروع ‘المسموم’.
فالتأمت بعض اجتماعات الأربعين في منزل الطبيب وآلت إلى رفض الإصلاحات وهو ما بعث به الباي إلى رئيس الجمهورية الفرنسية يوم 9 سبتمبر 1952.
ثارت ثائرة المتنفذين الاستعماريين وأخذ بهم الحنق إلى حدّ التوجّس به شرّا، وتمّ لهم ذلك يوم 13 جويلية 1954 وقد كان الدكتور مامي يتأهّب للسفر من الغد إلى فرنسا لتحريك السواكن من أجل القضيّة التونسية.
تمّ اغتياله أمام منزله وهو في سيارة لأحد أقاربه.
جاء في كتاب ‘شهادة للتاريخ’ لأحمد المستيري الصادر عن دار الجنوب سنة 2011: ‘كنت في منزلنا عشيّة 13 من جويلية 1954 لمّا سمعت دويّ طلقات ناريّة من رشّاش، وفتحت الباب فشاهدت أحد الجنود ملقى على الأرض استعدادا لإطلاق النار وسمعت بعد قليل أنّ المرحوم الدكتور عبد الرحمان مامي تعرّض إلى الاعتداء بالرشّاش وتوفي في الحين، وكانت داره لا تبعد على منزلنا أكثر من 300 متر، وتبيّن فيما بعد أنّ المعتدي هو أحد زملائه الفرنسيين المعروف بانتمائه للمنظمة الإرهابية ـ اليد الحمراء ـ ص68″. وهذا الزميل هو مثلما أظهرته الأبحاث العدلية الدكتور Pigalli مساعد رئيس بلدية المرسى.
الثوّار التونسيون يردون
لقد أثار هذا الاغتيال ضجّة في الدوائر الفرنسية بباريس فكانت حالة من الإستنفار توقعا لما سوف يُقدم عليه الثوّار التونسيون من عمليات ثأر. وفعلا فقد أنجز القائد ساسي الأسود الوعد واغتيل بعض غلاة الاستعمار في سوسة وفي تونس.
ولقد عبّر الزعيم بورقيبة ـ وهو في المنفى بفرنسا في جزيرة قروا ـ في رسالته إلى عائلة الفقيد عن ‘هلع المستعمر وفقدانه للحجّة’.
كما أنّ نقابة الأطباء التونسيين أصدرت بيانا شديد اللهجة بإمضاء رئيسها الدكتور الزاوش وأكدت فيه من جديد ‘أنّ الأطباء التونسيين ثابتون على النهج الذي خطّه الفقيد من أجل تحقيق الأهداف التي ناضل من أجلها’.
لقد دفن الفقيد رحمه الله يوم 15 جويلية 1954 في جنازة مهيبة حضرها أكثر من عشرة آلاف مشيّع. جاء في كتاب “الزعامة الهادئة” للمنعّم الباهي الأدغم نشر دار نيرفانا عام 2019 : ” عندما عاد المجاهد الأكبر من باريس يوم الجمعة 23 مارس 1956 غداة الإمضاء على وثيقة الاستقلال توجّه لقراءة الفاتحة على ضريح الملك الشهيد المنصف باي في مقبرة الجلاز والدكتور عبد الرحمان مامي في المرسى ثمّ ضريح فرحات حشاد في القصبة، وبهذا أراد الحبيب بورقيبة أن يظهر وفاءه ووفاء الوطن لمن استشهدوا في سبيله”.
قرار بورقيبة
ثمّ ألحّ الحبيب بورقيبة وهو في سدّة الحكم بعد أقلّ من سنة من توليه الرئاسة أن يخلّد اسم هذا الطبيب الشهيد بأن يحمل مستشفى الأمراض الصدرية اسمه، وقد تمّ ذلك يوم 25 فيفري 1958 بأريانة وكان مصحوبا بوزير الصحّة آنذاك المنعّم أحمد بن صالح والدكتور إبراهيم الغربي الذي جعل من هذه المؤسسة الاستشفائية والبحثية مفخرة من مفاخر دولة الاستقلال.




