نوفل سلامة يكتب/ احتجاجات إيران: القطيعة؟


كتب: نوفل سلامة
فنزويلا وإيران بلدان ينتميان إلى فضاء فكري وعقائدي مختلف فالأولى تنتمي إلى الفضاء الماركسي الشيوعي الحالم بـ الأممية العالمية ودولة العمال، والثانية تنتمي إلى المشهد الديني وفكرة الأمة الإسلامية الواحدة والتيار الذي يدعو إلى العودة إلى دولة الإسلام المبكر وفق الرؤية الشيعية..
على حافة نقيض؟
وهما من هذه الزاوية على حافة نقيض ولا يجمع بينهما في الظاهر أي رابط، ولكن من زاوية الرؤية الاستراتيجية فإن الجامع بينهما هو السياق السياسي وتصنيفهما ضمن ما يسمى بالدول الصلبة أو الأنظمة السياسية المنغلقة التي تتبنى رؤية للعالم وللعلاقات الدولية معادية للغرب وخاصة معاداتهم لأمريكا التي تعتبر في نظر فنزويلا ‘شافيز’ دولة إمبريالية وفي نظر إيران ‘الخميني’ الشيطان الأكبر…ومن هذه الزاوية فهما دولتان معاديتان لأمريكا.
هاتان الدولتان اللتان تنتميان إلى الحلف المعارض للهيمنة الإمبريالية والرافضتان لمنظومة العولمة التي تشكلت بعد الحرب العالمية الثانية بقيادة الولايات المتحدة الامريكية وبها تحكم العالم مع حلفائها الغربيين، وهاتان الدولتان اللتان كانتا إلى وقت قريب تمثلان إحراجا كبيرا لأمريكا وخاصة في الموقف من حرب غـ .زة المناصر للقضية الفلسطينية والمعادي والمندد بالانتهاكات التي ارتكبتها إسرائيل في حق الشعب الفلسطيني، تعرفان في الفترة الحالية مصيرا مشابها تقريبا ووضعا داخليا لا يختلف كثيرا ونعني هنا تشابه موقف الشعبين الفنزويلي والإيراني من نظام الحكم وطريقة تصرفهما مما حصل ويحصل للقيادة السياسية لبلديهما، وخاصة الموقف من التهديد بالتدخل العسكري الأجنبي الأمريكي..
اختطاف مادورو..المنعرج
فما حصل مع الرئيس نيكولاس مادورو من عملية اختطاف على أيدي قوات خاصة أمريكية وما قابله من صمت محيّر للشعب الفنزويلي وسكوت على ما حصل من انتهاك لسيادة بلادهم من قبل دولة أجنبية في موقف فُهم منه أن الشعب الفنزويلي راض على تنحية رئيسهم بتلك الطريقة المهينة، وبتدخل أجنبي ونفس الشيء يقال تقريبا على الشعب الإيراني الذي يتظاهر منذ أسابيع في الشوارع ضد نظام الحكم مطالبين بإسقاط النظام وتغييره حتى وإن كان بتدخل عسكري أجنبي وبمساعدة من أمريكا.
سؤال حارق
والسؤال الذي تطرحه كل من الحالة الفنزويلية والحالة الإيرانية هو كيف نفهم أن شعوبا قاومت الاستبداد والديكتاتورية، وقامت بثورة لإسقاط الحكم الفردي واختارت مكانه أنظمة حكم معادية للهيمنة الغربية ورافضة لحكومات مرتبطة بالغرب الامبريالي نجدها اليوم تقبل بالتدخل الأجنبي في شؤونها؟
وكيف نفسر هذا السلوك الذي تسرّب إلى هذه الشعوب بعد أن أطاحت بالاستبداد واختارت إنشاء أنظمة حكم أرادتها في خدمتها ومستقلة في قرارها السياسي نراها تنقلب على اختيارها هذا وتقبل بإزاحة النظام السياسي الذي اختارته بكل الطرق والوسائل حتى وإن كان تدخلا أجنبيا؟
فصمت الشعب الفنزويلي وسكوته واحتجاجات الشعب الإيراني وغضبه الشارعي هو في الأخير بمثابة القطيعة التي يقوم بها هذان الشعبان تجاه أنظمة حكم صلبة وأنظمة حكم تقوم على أيديولوجية سواء كانت دينية او علمانية اختارت أن تنغلق وتحصن نفسها وأن تكون معادية للهيمنة الغربية والنظام العالمي الذي تقوده أمريكا.
الأسباب وراء ما يجري
إذا تركنا جانبا قضية فتور وهج مرحلة الثورة بالنسبة للشعبين الإيراني والفنزويلي التي أطاحت بأنظمة حكم كانت تابعة للغرب ولأمريكا تحديدا، وإذا تجاوزنا مسألة التآمر الخارجي و التدخل الأجنبي وهو حاصل في جزء كبير من حراك الشارع الإيراني، وإذا استثنينا المسألة الاقتصادية والوضع الاجتماعي الصعب وتراجع المقدرة الشرائية للشعب ومسألة غلاء المعيشة نتيجة عوامل كثيرة وكانت هي السبب المباشر لاندلاع الاحتجاجات الإيرانية وصمت وسكوت جزء كبير من الشعب الفنزويلي وغياب ردة فعله تجاه ما حصل لرئيسه ونظرنا إلى الواقع الحالي لكلا البلدين، فإننا نخلص إلى إجابة تعتبر أن الشعوب التي قامت بثورة على الاستبداد والديكتاتورية واختارت إقامة أنظمة حكم تحولت مع الوقت هي الأخرى إلى دول شمولية مغلقة وتتبع نهجا صداميا مع الغرب ومعاديا في توجهاته لأمريكا وقامت بعملية خلط بين السياسة والأيديولوجية سواء كانت هذه الأيديولوجيا دينا أو فلسفة وفكرة بشرية فإن هذا الاختيار قد ينجح لفترة من الزمن مع الجيل الذي واكب هذا التحول والجيل المؤسس للمشروع الثوري ولكن حينما تطول مدة هذا التصور لشكل النظام ويتمدد في الزمن في علاقته بالداخل المحلي والخارج الدولي فإنه بالضرورة يحصل له التآكل ويتحول إلى عبء على الدولة ويتسبب في مأزق للشعب.. عندها يبدأ التململ و تظهر على الشعب مشاعر القلق والغضب من إجراءات الإغلاق وحالة التحصين التي تتبعها هذه الأنظمة ويتعب من العقوبات المتخذة في حق بلاده و ينفذ صبره من الحظر الاقتصادي المفروض على بلاده وتبدأ الأجيال التي لم تعايش الثورة والشباب الذي ولد في سياقات لم يعرف فيها إلا الخوف والمنع والترهيب وتحصين النظام نفسه بمحاصرة الحريات والتضييق على الحقوق في التوق إلى الحرية والمطالبة بالانفتاح على العالم والعيش في مناخ هادئ بعيدا عن التشنجات والتوترات..
باب الحرية..أم ‘باب السوق’؟
ويعجز النظام عن تجديد نفسه واحتواء هذه التطلعات للشعب ويعجز كذلك عن التعامل مع الاحراجات والإكراهات المتنوعة التي تضعها القوى المعادية له .. لما تصل الشعوب إلى هذه الحالة من انسداد الأفق وتآكل منسوب الثقة في السلطة الحاكمة فإنه يخرج محتجا ويقبل بأي حل لإنهاء حالة الأزمة والوضع المأزوم حتى وإن كان تدخلا أجنبيا.
لا أحد ينكر على الشعب الإيراني حقه في التعبير عن رأيه من الأوضاع الداخلية لبلاده ولا أحد يعترض على حقه في إظهار غضبه وإبلاغ صورته للعالم كشعب مختنق صوته من وقع الفقر والقمع والخوف باسم العقيدة وولاية الفقيه، ولكن الأمر الذي قد يغيب عن هذه الشعوب التي قبلت بالتدخل الأجنبي واستنجدت بالقوى الخارجية أن الحرية التي تأتي من الأمريكان و الكيـ.ان ينطبق عليها قول الشاعر الألماني هايتر مولر: ‘ونحن نحطِّم جدار برلين، كنا نظنُّ أنَّنا نقتحم باب الحرية، فإذا بنا نقتحم باب السوق التي أصبحنا فيها سلعًا’.




