عيسى البكوش يكتب/ حمّادي الساحلي (1928-2002): المؤرخ والمحقّق والمترجم


كتب: عيسى البكوش
إنّ المدرسة التاريخية التونسية ثريّة بالأعلام ذوي الكعب العالي الذين أنشأوا لفائدة الأجيال المتعاقبة مدوّنة تباهي بها مدوّنات العالم، ومن بين هؤلاء الأساطين حمّادي الساحلي المولود بمدينة تونس يوم 16 ماي سنة 1928…
البدايات
زاول حمّادي الساحلي تعليمه الابتدائي وهو في سنّ الخامسة بالمدرسة العرفانية بالقعّادين ومديرها المنعّم حمدة البكوش، وتتلمذ للمنعّمين أحمد خير الدين وحسن القبرصلي والشاذلي معالي وعزّوز القلعي ومحمد بن ثابت.
تحصّل على الشهادة الابتدائية سنة 1941 بتفوّق.
يقول في مذكراته المنشورة بمجلّة الصادقية عدد أفريل 2003: “تحصّلت مع رفيقي حسونة الجويني على جائزة المدرسة التي قدّمها إلينا المقيم الفرنسي آنذاك الأميرال Esteva وكان ذلك أثناء حفل مهيب تمّ تنظيمه بمقر الإقامة العامّة وبمحضر التلامذة المتميّزين بكافة المدارس”.
كما نجح في السنة الموالية في مناظرة الدخول للمدرسة الصادقية: ‘بينما كان والدي يرغب رغبة ملحّة في إلحاقي بجامع الزيتونة ولكن لم يرد أن يعاكس رغبة أخي من الأمّ
ـ الدكتور محمود الخياري ـ (1912/1966) الذي ألحّ على الانضمام إلى الصادقية” والتي أحرز منها سنة 1968 على شهادة انتهاء الدروس ثمّ شهادة الباكالوريا سنة 1949.
طار إلى فرنسا
تحوّل من بعد ذلك إلى فرنسا حيث انضمّ إلى جامعة السربون بباريس حيث نال الإجازة في اللغة العربيّة سنة 1953 ثمّ إلى جامعة Aix-en-Provence حيث تحصّل سنة 1955 على الإجازة في التاريخ والجغرافيا.
ترأّس في تلك المدينة الشعبة الدستورية وهو الذي اكتوى منذ طفولته بجذوة النضال الوطني.
يقول في مذكراته: ‘عشيّة يوم السبت 9 أفريل 1938 بلغتنا ونحن بالقسم أصداء المعركة ودخول الهول على قلوب التلاميذ فهبّ الأولياء للرجوع بأبنائهم إلى بيوتهم، وقد أقبل والدي واصطحبني إلى المنزل وقد مررنا ببطحاء سيدي الجبالي حيث شاهدت جثث القتلى والشعب يهتف ‘الجهاد في سبيل الله’، وقد أثّر ذلك المشهد في نفسي ومنذ ذلك التاريخ انغرست فيّ الروح الوطنيّة’.
التحق بالتدريس
لمّا عاد إلى أرض الوطن سنة 1955 التحق للتدريس بالمعهد الثانوي بسوسة حيث قضّى ثلاث سنوات، ثمّ سمّي أستاذا للتاريخ بالمدرسة الصادقيّة من 1958 إلى 1960 وقد تشرّفت بالتتلمذ إليه، ثمّ غادر التعليم كمهنة ليلتحق بوزارة التعليم كمهمّة، ومكث إلى جانب المنعّم محمود المسعدي من سنة 1960 إلى سنة 1968 والتحق من بعد ذلك بالجامعة التونسية ككاتب عام مساعد من 1968 إلى 1973 ثمّ ككاتب عام لكليّة الآداب من سنة 1973 إلى سنة 1978 حيث التحق بصديقه محمد اليعلاوي وزير الشؤون الثقافية ليترأس ديوانه للفترة القصيرة التي قضّاها (1978/1979)، ثمّ تولى إدارة العلاقات الخارجية للوزارة ما بين سنة 1980 وسنة 1981 والتحق إثر ذلك كمستشار لدى الشركة التونسية السعوديّة للاستثمار من تلك السنة إلى آخر حياته.
وكان بالموازاة يعطي دروسا بعديد المؤسسات ككليّة الشريعة والمدرسة العليا للحقوق والمدرسة القومية للإدارة ومدرسة الأركان الحربيّة.
كتب في الصحف والمجلات
كتب في جلّ الصحف السيّارة والمجلات العلمية مثل حوليّات الجامعة والكرّاسات التونسية ومجلة الدراسات الدولية ومجلة الصادقية التي تولى رئاسة تحريرها من سنة 1995 إلى تاريخ وفاته.
كما انتمى إلى جلّ النوادي والمنابر الثقافيّة والأدبية كجمعيّة قدماء الصادقيّة وجمعيّة الدراسات الدوليّة ودار المربّي ونادي أبي القاسم الشابي، وكان عضوا بالجمعية العلمية للمعهد الأعلى لتاريخ الحركة الوطنية ـ معهد التاريخ المعاصر حاليا ـ والذي سمّيت إحدى قاعاته باسمه.
اللطف والخلق الكريم
كتب عنه صديقه الأستاذ علي حمريت في جريدة الحرية في عددها ليوم الخميس 5 جويلية 2007: ” كم كان يلذّ لنا ملاقاته والتحدّث إليه ومؤانسته أيّام الأحد في نادي زرياب “صالح المهدي” وكان مواظبا على هذا اللقاء وما من أحد من رفاقه يذكره إلا ويبدأ بترديد خصاله وسماحة جانبه في جميع المجالس التي كان ينضمّ إليها.
لقد نحت لذاته نفسا سمعة وشخصيّة أبيّة طبعت سلوكه بطابع اللطف والخلق الكريم وحسن المعاشرة وطيب الكلمة ورقّة الأحدوثة”.
كان ثالث ثلاثة بمعيّة رفيقيه محمد اليعلاوي والجيلاني بالحاج يحي حتى أطلق عليهم أترابهم ‘الثالوث المقدّس’.
من مؤلفاته ولقد ناهز عددها الثلاثين:
ـ فصول في التاريخ والحضارة
ـ الصحافة الهزلية في تونس
ـ الحركة الوطنية
ـ حركة الشباب التونسي.
ومن تحقيقاته:
ـ تاريخ معالم التوحيد لابن الخوجة
ـ هذه تونس للحبيب ثامر
ـ ديوان الشيخ إبراهيم الرياحي
ـ الأعمال الكاملة للصادق الزمرلي.
ـ آثار الشيخ محمد النخلي
ـ خلاصة تاريخ تونس لحسن حسني عبد الوهاب
ـ مفتاح التاريخ للبشير صفر.
ومن ترجماته:
ـ تونس الشهيدة لعبد العزيز الثعالبي ومن معه.
ـ أعلام تونسيون للصادق الزمرلي.
ـ تاريخ إفريقيا في العهد الحفصي لبرانشفيك
ـ البيئة الزيتونية للمختار العياشي
ـ الدولة الصنهاجية لروجي الهادي إدريس
ـ الخلافة الفاطمية بالمغرب لفرحات الدشراوي.
انتقل إلى رحمة الله يوم 6 جويلية 2002 ودفن بمقبرة سيدي يحي فجازاه الله كل خير .




