الأمين الشابي يكتب: رعاة البقر يعودون من جديد بيد من نار وحديد


كتب: الأمين الشابي
دائما ما يخامرني سؤال مفاده، ما الفرق بين ‘ماما’ أمريكا والكيان؟ ألا يمثلان وجهين لعملة واحدة؟ خاصة في مجال العربدة والإجرام و”التبوريب” واستعراض العضلات؟
وذلك بهدف السطو على مقدّرات الدول وتفكيكها، عبر مسوّغات باتت مكشوفة وعارية عن الحقيقة.
ومن هذه المسوّغات، الإرهاب وحيازة سلاح الدمار الشامل وزعزعة الأمن القومي؟ ومن منا لا يتذكر ما حلّ بالعراق وسوريا وليبيا ولبنان وإيران، وفي مقدمة كلّ هذه الدول دولة فلسطين الجريحة؟
ليضاف اليوم ـ ومع بداية سنة 2026 ـ مسوّغ جديد مفاده، الاتجار بالمخدرات وتصديره؟ وهذا ما حصل أخيرا مع دولة فنزويلا. بل والأكيد وأن مثل تلك العمليات لا ولن تقف عند تلك الدول، فالبقية مؤجلة إلى أن تحين ساعة الصفر؟
هنا، أسئلة كثيرة تفرض نفسها ومفادها، لماذا فنزويلا بالذات؟ وما قيمة المؤسسات الدولية أمام قانون الغاب الجديد؟ وهل من نهاية لهذه الفوضى الهدّامة؟
لماذا فنزويلا بالذات والآن وليس غدا؟
نعم، تشهد فنزويلا كثيرا من المشاكل الاقتصادية (نسب عالية من التضخم) والاجتماعية (بطالة و هجرة غير قانونية) وانهيار في الخدمات ونقص في الغذاء و الدّواء.
كلّ هذا يعيشه شعب فنزويلا والمفروض التدخل يأتي من أجل التخفيف من معاناة هذا الشعب الذي شهدت بلاده أزمات اجتماعية واقتصادية وحتى سياسية (انقلابات وتصعيد بين الحكومة والمعارضة واعتقال لرؤساء البلاد). ويأتي هذا في وقت تمتلك فيه فنزويلا أكبر احتياطي نفط في العالم تكفي لـ 360 سنة قادمة حسب بعض الدّراسات؟
وهذا ما أسال لعاب أمريكا وتحديدا “ترامب”. والسيطرة على كلّ هذه المقدرات النفطية تعني السيطرة على إمدادات الطاقة العالمية. ممّا يفسّر اهتمام القوى العظمى بهذه الطاقة النفطية. وبالتالي نقول وباختصار شديد كلمة السر وراء ما حصل في فنزويلا هو النفط ولا غير النفط؟ وهذا ما يعني، دحض كلّ ما تحاول ماما أمريكا تسريبه عن أسباب اعتقال “مادورو”.
بعد استراتيجي
ولكن التدخل الأمريكي في فنزويلا يحمل أيضا بين طياته بعدا استراتيجيا يندرج في إطار أكبر وهو الحرب ‘الجيو… سياسية’ القادمة التي تتجاوز فنزويلا لتطال دولا أخرى من ناحية، والإعداد أيضا لحرب شاملة مع إيران من ناحية أخرى؟
وبالتالي عبر سيطرتها على المقدرات النفطية الفنزويلية ـ أمريكا ضمنت، حسب تخميناتها، في صورة شن حرب على إيران، الإمدادات النفطية الضرورية وذلك في حال استحالة الحصول على النفط العربي خاصة من دول الخليج وإيران بسبب تلك الحرب على إيران؟
ومن أجل تحقيق ذلك الهدف وبالتالي القبض على رئيس دولة فنزويلا، خصّصت أمريكا 50 مليون دولار لمن يقبض على الرئيس الفنزويلي على تهمة الاتجار بالمخدرات بالعالم؟
أفلام رعاة البقر
وبالتالي أقدمت على ما أقدمت عليه من عملية أمنية بامتياز، قتلت فيها من قتلت واعتقلت عبرها الرئيس الفنزويلي وزوجته من القصر الرئاسي. ومثل هذه العملية تحيلنا على أفلام رعاة البقر التي تسطو على أملاك الغير بدون مراعاة لا للجانب الإنساني ولكن للوازع الأخلاقي. فقط، الفارق بين رعاة البقر اليوم وبالأمس هو تغيير الأدوات والوسائل. حيث استبدلت الخيول بالطائرات والبنادق القديمة بالصواريخ والقنابل “الذكية” جدا. ولكن يبقى الهدف واحدا، استعمال القوة والعربدة والصعلكة والبلطجة لنيل المبتغى؟ والأكيد وأن عملية فنزويلا تخفي وراءها اجراما قادما في حقّ إحدى الدول.
والأرجح ستكون إيران المرشحة أكثر من غيرها نزولا عند رغبة و نزوة الكيان؟
ما قيمة المؤسسات الدولية أمام قانون الغاب الجديد؟
تقضى المادة 3 من ميثاق الأمم المتحدة على ‘يفض جميع أعضاء الهيئة منازعاتهم الدولية بالوسائل السلمية على وجه لا يجعل السلم والأمن والعدل عرضة للخطر’، كما تنّص المادة 4 ‘يمتنع أعضاء الهيئة جميعا في علاقاتهم الدولية عن التهديد باستعمال القوة واستخدامها ضد سلامة الأراضي أو الاستقلال السياسي لأيّة دولة أو على وجه آخر لا يتفق ومقاصد الأمم المتحدة’.
هل ما حصل أخيرا في فنزويلا وسابقا في دول أخرى، كان وفق مقتضيات هاتين المادتين لميثاق الأمم المتحدة؟ أكيد الجواب سيكون بعدم احترام كل هذه المقتضيات الأممية. باعتبار وأن ما تعيشه كلّ الهيئات والمنظمات الدولية من موت سريري يؤكد استبدال هذه الشرعية الدولية بغطرسة الدول واتباع قانون الغاب؟
وبالتالي وفيما تشهده بعض الدول من عربدة وبلطجة واعتداء على دول أضعف منها، يحلينا هذا الوضع على منعرج خطير تعيشه العلاقات الدولية. وليس لنا خيار أمام ما يعيش العالم اليوم، إمّا احترام المواثيق الدولية والالتزام بها ـ باعتبارها الإرادة الجماعية للشعوب- أو ليعمّ قانون الغاب والانزلاق نحو منطق البقاء لأقوى. ليجعل السلاح والقوّة الصوت الذي لا يعلى عليه ممّا ينسف ومن جذوره النظام الدولي.
انقلاب عميق
ومن هنا تتبادر للذهن مسألة هامة – خاصة أمام عجز الهيئات الأممية عن فض النزاعات الدولية – وتتمثل في دور الشعوب أمام ما يحدث من انقلاب عميق في العلاقات الدولية، باعتبار وأن الحاكم دائما ما يميل لجينات الغطرسة على غيره بعيدا عن منطق السلم وحلّ المشاكل عبر الحوار.
وهنا على الشعوب التحرّك لفرملة تنطع بعض القادة في اتجاه السيطرة على دول مستقلة قائمة الذات باستخدام القوّة مثل الذي حصل في فنزويلا وفلسطين ولبنان وسوريا وليبيا وغيرها من الدول. هاته الشعوب موكول عليها عدم الصمت وعدم الحياد لأنّ الصمت في مثل هذه الحالات يعدّ تواطئا. وبالتالي للشعوب دور في إعادة القيم الإنسانية من عدالة وحرّية ورفض للهيمنة مهما كان مأتاها.
هل من نهاية لهذه الفوضى الهدّامة؟
بداية نؤكد على أنّ ما يروّج له الإعلام الغربي بأنّ ما حصل في فنزويلا هو عملية اعتقال لمتهم، هو في الحقيقة مجانب للصواب. بل نراه فعلا أمنيا عنيفا وعدوانا على حرمة دولة ورئيسها وبامتياز. وبالتالي علينا تسمية الأشياء بمسمياتها. وإلاّ ستعمّ الفوضى العالم تحت مثل هذه التبريرات والمسميات لعمليات أمنية لا تحترم سيادة الدول ولا حرمة الأشخاص؟
إلاّ أنّ الأهم من كل ذلك هو ما يشهده عالمنا من فوضى عارمة في العلاقات الدولية. ويتجلى ذلك في التنافس الشرس على الساحة الدولية، سواء في المجال الاقتصادي والتكنولوجي أو في مجال التسلح وذلك استبعادا لبعض التوترات التي قد تتسبب في مواجهات عسكرية. ولكن يبقى أهم عنصر وراء هذه الفوضى العالمية يتمثل في عدم وجود هيئة حوكمة دولية قوية قادرة على فرض أحكامها عبر آليات فاعلة.
وفي سياق متصل، يفترض أن تمثّل منظمة الأمم المتحدة والقانون الدولي الوظيفة التنظيمية للمجتمع الدولي، ولكن يبدو أن ضعفها يفتح الباب أمام ردّة حضارية تغلب عليها الهويات المتشنجة والمنغلقة على العقل المشترك والحكمة الجماعية. وقد يمثل ضعف الهيئات الأممية أيضا دخول البشرية عصرا خطيرا وبلا ضوابط يسوده التسرع في استعمال القوّة على حساب القانون والعدل والإنسانية أيضا.
لنختم هذه الورقة بسؤال يقول، هل ستتمكن الإنسانية في خضم غطرسة بعض الدول، المعتمدة على الحديد والنّار في فصلها لنزاعاتها، من استعادة حرمة القانون الدولي و بالتالي، تبوأ هيئة الأمم المتحدة مكانها الحقيقي في فض النزاعات بالوسائل السلمية بين الدول، بعيدا على الغرائز التدميرية التي تحملها بعض جينات الدول المتغطرسة و المهيمنة؟
نترك الجواب للقارئ الكريم لتصور بعض السيناريوهات للفترة القادمة لعالمنا الذي أصبح يسوده قانون الغاب على حساب التحضر و الحكمة؟ خاصة في عصر من المحافظين الجدد الذين لا يؤمنون بعدالة لا تكون القوّة و السلطة قوامها؟




