صالون الصريح

نوفل سلامة يكتب: إصلاح التعليم في ظل سياسة الهيمنة الكولونيالية واستراتيجية الإفراغ

slama-7
كتب: نوفل سلامة

تحدث الدكتور منذر عافي في مقال له نشره بجريدة الصباح في عددها الصادر يوم الأحد 30 نوفمبر 2025 عن سياسة الهيمنة الغربية في مجال التربية والتعليم، كيف أن هذه السياسات المُسقطة من خارج البلاد والتي يؤتى بها من بلدان وراء البحار، قد حوّلت العملية التعليمية في بلادنا إلى مجرد تحصيل أعداد لا غير..وعملية جري مستمرة ومرهقة وراء النتائج والمعدلات..

علاقة ‘تقنية’

وحوّلت التلميذ إلى فرد لا غاية له من وراء التعليم إلا الحصول على أعداد ممتازة وجعلت علاقته بالمعلم مجرد علاقة تقنية لا غير خاوية من كل روح ومعنى، ومن دون إعارة لأي اهتمام بمسألة الفكر والمعرفة والانتماء للهوية الوطنية الغاية الأولى والأساسية التي بنت عليها دولة الاستقلال فلسفة التعليم وفكرة المدرسة.

فكرة خطيرة

كما تحدث عن فكرة خطيرة كثيرا ما يتم التغافل عنها والانتباه إليها، ونحن نفتح ملف إصلاح التعليم ونحسب أن أهميتها في هذا المسار من المراجعات المعرفية والتحولات الكبرى التي يشهدها العالم مقدمة عن كل مداخل الإصلاح الأخرى تتعلق بسياسات الهينة العالمية التي جاءت بها الحداثة الغربية، والتي جعلت التعليم يختزل في مجرد امتحان وإجراء فرض والحصول على عدد..

كما غيّبت مسألة بناء المعنى وإنتاج المعرفة وصناعة الوعي الحضاري والإنساني اللازمين لبناء أمة متقدمة ودولة قوية، وفهم عميق للغاية والمقصد من وراء التعليم وهو بناء وعي جمعي بأن العلم والمعرفة وجب أن يكونا في سبيل نهضة البلاد وازدهارها لا أن يصبح بسبب تشوه الوعي إلى مسألة فردية تخص الذات المجردة للفرد المنقطعة عن عالمها المحلي و هواجس وتطلعات الدولة والمجتمع.

استراتيجية الإفراغ

في هذا السياق من التحليل الرافض للهيمنة الكولونيالية للمعرفة والداعي إلى مقاومة كل أشكال الترويض والهيمنة التي تخضع لها شعوب بلدان عالم الجنوب ومنها بلادنا يتحدث الدكتور منذر عافي عن ‘استراتيجية الإفراغ’، وهو مصطلح جديد يستعمل تقريبا لأول مرة عند التعرض إلى موضوع إصلاح التعليم أي إفراغ التعليم من جوهره الحضاري الإنساني الذي من أجله وعلى أساسه بُنيت المدارس ووُضعت مناهج التربية ورُصدت ميزانية الدولة…
وهو هنا يتقاطع مع الدكتور فتحي المسكيني في حديثه عن الإفراغ الحضاري فيعتبر أن ما نعيشه اليوم في عالمنا المعاصر هو فرض لاستعمار غربي جديد يقوم على فرض هيمنة المعرفة الغربية على كل معرفة، وهي في نظر المسكيني أخطر من أي استعمار ومن كل أشكال الهيمنة التقليدية التاريخية التي طبّقتها الحداثة الغربية على الشعوب المستعمرة، وهو استعمار جديد يقوم على سياسة الإفراغ من كل خصوصية ذاتية للشعوب وكل ما يميز المجتمعات غير الغربية ويزيح عنها كل عناصر القوة الذاتية، ويمنعها من العودة إلى مصادر نفسها العميقة و إفراغها من كل قدرة لها على التفكير بمعزل عن الهيمنة الغربية للمعرفة وتحقير الذات وإظهارها في حالة عجز دائم عن ابداع نماذج وبرامج تتلاءم وخصوصية الشعوب…

عالم ‘غير مؤهل’

وعلى الايهام بأن عالم الجنوب غير مؤهل لإنتاج معنى وإنتاج أفكار وإنتاج رؤى في عملية هيمنة واحتواء متواصلة من أجل إدامة الارتباط بالأجنبي المتفوق.
عملية الإفراغ التي يتحدث عنها كل من منذر عافي وفتحي المسكيني هي سياسة أخرى تضاف إلى كل السياسات التي فرضت على شعوب عالم الجنوب لإقناعها بأنها غير قادرة لوحدها على إيجاد بدائل معرفية وبرامج تعليم ملائمة لها وتحتاجها في عملية النهوض الحضاري والاعتزاز بالهوية والتاريخ وأهميتها في جعل الأفراد مرتبطين بوطنهم وجذورهم التاريخية والثقافية وقادرين على إنتاج وعي جمعي بخطورة الانخراط في سياسات الهيمنة الجديدة على الذات والعقل والشعور.

قولبة العالم

إن هيمنة الرؤية الكولونيالية في التعليم وفكرة الإفراغ القائمة عليها استراتيجية الحداثة الغربية في نسختها الحالية ترمي إلى قولبة العالم، وجعل الجميع يفكرون وفق علب مغلقة متشابهة أو ما يسميه منذر عافي بالنزعة الموّحدة في التعليم أي أن منظومة العولمة المتحكمة تريد من الجميع أن يفكروا في اتجاه واحد وأن يلتزموا بخط سير لا يمكن الخروج من إطاره المعرفي الذي وضعه الغرب مما يجعلنا خاضعين لا إراديا إلى برامج ومناهج ومضامين تعليمية معدّة لنا مسبقا من الخارج حيث تفرض الرؤية التربوية وفق صيغة عالمية موحدة في عملية اقصاء مقصودة لأي تنوع أو اختلاف ثقافي أو لغوي أو معرفي تعتبره المركزية الأوروبية في المعرفة عبئا معطلا لمواصلة هيمنة قوى الاستعمار العالمي وجب التخلص منه.

عملية ‘نمذجة’ جاهزة

الخطير في سياسة الإفراغ المقصودة واستراتيجية قولبة المعرفة فيما يحصل للعالم من نمذجة جاهزة ونظرة واحدة وموحدة للأشياء وبرمجة المجتمعات والشعوب والأفراد وفق آليات تفكير ونوعية معرفة تجعل المدرسة بلا روح ولا ذاكرة، وتحويلها إلى فضاء لتصحيح الاختبارات والتلميذ دون معنى وفاقد للوعي الحضاري..
وأقصى ما يمكن أن يقوم به هو استظهار المعلومات بدلا من إنتاج المعرفة والمدرس مجرد آلة وضعت للتطبيق وصممت للتلقين مهمته تطبيق برامج معيارية لا غير وبذلك يصبح المعلم منخرطا في سياسات الهيمنة العالمية فمدرسة لا تنخرط في هموم المجتمع ولا تعكس انتظارات الدولة وإكراهات واحراجات اللحظة الحضارية التي نعيشها لا يمكن لها أن تعدّ ابناءها للمستقبل.
يقول منذر عافي ‘إن التلميذ الذي يتعلم خارج مجاله الثقافي يفقد صلته بالمعرفة نفسها ويصبح التعلم مجرد تقليد وإعادة انتاج للمعطيات دون فهم حقيقي’..

مقاربة الفكر الحر بلا قيود

قيمة هذه المقاربة التي نتحدث عنها ويقترحها الدكتور منذر عافي مدخلا لإصلاح التعليم من خلال استعادة الروح الحقيقية للمدرسة بما هي فضاء ينمو فيه الفضول المعرفي وتطرح فيه الأسئلة قبل الأجوبة، ويبدع فيه المعلم ويبتكر وينمو الفكر الحر بلا قيود من هيمنة استعمارية تبحث لها عن مكان جديد ومركزية أوروبية ترغب أن تواصل في نهج الهيمنة والوصاية من خلال منظومة العولمة وقولبة العالم ونمذجة المجتمعات وفرض الخيارات والسياسات، في التنبيه إلى ضرورة الوعي في المقام الأول وقبل كل شيء بمسألة فك الارتباط مع مركزية المعرفة الغربية والتخلص من كل وصايا الآخر ومحاولات إفراغ الإصلاح من معناه الحقيقي قبل البدء في إصلاح المنظومة التربوية والتعليمية وفق عناصرها الكلاسيكية: الزمن المدرسي والفضاء المدرسي و المناهج والمقررات والمدرس والمعلم العنصر المهم في العملية التربوية والذي سوف تقوم عليه عملية الإصلاح فضلا إلى مسألة تكوينه وتأهيله البيداغوجي.

قابلية الاستعمار

في نقاشه لمسألة تخلف المسلمين اعتبر المفكر الجزائري مالك بن نبي أن من بين الأسباب العميقة التي منعت العرب من النهوض وتحقيق تقدم هي قابليتهم لأن يكونوا مستعمرين وأرجع التراجع الحضاري لأي شعب إلى فكرة جوهرية وهي قابلية هذه الشعوب للاستعمار، ولكنه خلال هذه المناقشة فرق بين وضع الاستعمار وحالة الاحتلال واعتبر أن الاحتلال ظاهرة أخطر من الاستعمار على اعتبار أن البلد قد يكون محتلا غير مستعمر من طرف قوى عسكرية وجيوش أجنبية افتكت الأرض ونزعت الحكم ووضعت مؤسسات و هياكل تابعة لها وارست نظما مدنية وسياسية واجتماعية تدير بها شأن هذه الشعوب، ولكنه في حقيقة الأمر هو محتل في عقله وإرادته ووجدانه من قبل قوى لا وجود لها على أرض الواقع غير أنها موجودة في وجداننا وفي أذهاننا وفي الاستعدادات التي بداخلنا وفي نفوسنا للقبول بالمستعمر…
وفي القابلية التي تكونت لدينا لتحكم الأجنبي فينا من دون أن نحسب ذلك استعمارا ولا هيمنة ووصاية فاحتلال الشخصية والروح والارادات أخطر من استعمار الأوطان بالجيوش، وهذا الذي نبّه إليه مالك بن نبي في خمسينات القرن الماضي هو ما نخشاه حينما نرى اليوم مشاريع لإصلاح التعليم تُدار من خارج دولنا وبتفكير مستورد من عقول غيرنا.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى