صالون الصريح

عيسى البكوش يكتب/ منوّر صمادح (1931-1998): الشاعر الذي تكلم وتألم فمات بالكلمات

issa bakouche
كتب: عيسى البكوش
شيئان في بلدي خيّبا أملي
الصدق في القول والإخلاص في العمل.
هكذا تجرّأ شاعر تونسي معارضا تلك القولة البورقيبية التي كانت تحلي الصفحة الأولى من جريدة ‘العمل’ لسان حال الحزب الحاكم.

هو منوّر صمادح المولود يوم 17 سبتمبر 1931 بمدينة نفطة.

يقول عن نفسه في حديث لمجلة الإذاعة: “في التاسعة من عمري فارقت ‘الكُتّاب’ وبعدها فارقني أبي إلى الأبد كان لي إخوة لا بدّ أن يترسّموا خطى الوالد العلمية ولكنه لم يترك لنا المال الكافي، فاضطرّت والدتي إلى التخفيف من حملها فأرسلتني إلى خالي الذي كان آنذاك خبّازا بسيدي عمر بوحجلة بالقيروان فأخذت عنه صناعة الخبز والفطائر والحلويات ثم تحوّلنا إلى حاجب العيون وهناك انخرطت في الكشافة فحفظت الأناشيد وكان أوّل عهد لي بتصفّح المجلات التونسية والشرقية”.

بين الفطائر والكتابة

هكذا وجد الفتى نفسه بفضل قراءته متعطشا إلى محاكاة “أصحاب الكلام” إلى أن جادت القريحة بقطعة شعرية بعث بها إلى جريدة العمل فنُشرت وأعجب بها الزعيم الحبيب بورقيبة وكانت تحت عنوان “ابتسم يا شعب”.
جاء في الأعمال الكاملة لمنوّر صمادح من جمع شقيقه المنعّم عبد الرحيم صمادح والصادر عن بيت الحكمة عام 1995 أنه قال في هذا الشأن :”أنا الآن فطائري يقبل عليّ الناس وتعجبهم صناعتي وكم يكون ابتهاجهم عظيما عندما تفاجئهم الصحافة اليومية والأسبوعية بنشر صورتي وقصائدي فتراهم لا يكادون يصدّقون أنهم يقرؤون في المساء أدب من اشتروا منه الفطائر في الصباح”.
ثم ارتحل عام 1949 نحو الحاضرة حيث وجد لدى زين العابدين السنوسي صاحب ‘دار العرب’ العناية: ‘حباني بعطف أبوي ومكنني من الإقامة بمنزله’.

دخل الإذاعة

ولكن لا يطول به المقام إذ يلتحق من جديد بخاله ولكن هاته المرّة بالبقالطة سنة 1951 ثم ينتقل مع إخوته إلى قابس حيث يتعاطى مهنة الخياطة ويعود من جديد إلى مدينة تونس، وقد اشتدّ عوده فيطلّق صناعة الفطائر ومهنة الخياطة ليشتغل بالكتابة في جلّ الصحف والمجلات من أمثال “الزهرة” و “النهضة” و “الأخبار” و “الأسبوع” ثم يلتحق بالإذاعة وهو الملقب بشاعر الحرية ليشغل خطة مراقب للبرامج الأدبية ويُنتج بالموازاة الحصّة الأسبوعية ‘محكمة الأغاني’.

يقول عبد الستار النقاطي في ترجمته “كان يلعب دور القاضي الذي يحكم على مستوى الأغاني كلمة ولحنا، وهذا ما أدّى إلى مواجهة بعض الشعراء مثل عبد المجيد بن جدّو وجعفر ماجد والملحنين مثل الشاذلي أنور وقدّور الصرارفي وكان سلاحه في المواجهة ما اكتسبه من ثقافة واسعة في مجالي الأدب والموسيقى.”
وكان إلى جانب ذلك ينظم القصائد الوطنية على غرار ما أدته المطربة فتحية خيري من ألحان ونّاس كريم :”
سنقتحم المعضلات الصعاب
ونعصف بالظلم مهما ألم
فلا القاذفات ولا الزاحفات
ولا الماكرات تصدّ الهمم
لقد أقسم الشعب للعالمين
ودوّى الوجود بذاك القسم
ويبدو تأثر صمادح بالشاعر الجزائري مفدي زكريا وقصيده الذي أصبح نشيدا رسميا لوطنه.
قسما بالنازلات الماحقات
والدماء الزاكيات الطاهرات
وعلى ذكر الجزائر فلقد كان منور صمادح مناصرا لجبهة التحرير كما كان مناصرا لكلّ الشعوب المكافحة مثل الشعب الفيتنامي ونظم قصيدة في الثناء على زعيمه “هوشي منه” ومن دواوينه المنشورة :”نثر و شعر” و”الملاك العائد” و”مولد التحرير” و”صراع” و”الفردوس المغتصب” وهو أولها كان صدر عام 1954 وقد جادت فيها قريحته بهذه الأبيات التي تنساب رقراقة كمثل الماء الزلال:
لله تونس حسنها متفرد
أبت الطبيعة أن تجود بثاني
ذاتي فنت في ذاتها فأباها
كلف أهيم بريعها الفتّـــــان
فإذا سكتّ فذاك مني سجدة
تهدى لها والقدس ماء جناني
وإذا نطقت فلست أذكر غيرها
وإذا شدوت فحبّها ألحاني

منع ديوان شعره

ومن آثاره أيضا “ديوان الفجر” الذي صدر عام 1955 والذي وقع منعه عند صدوره ولقد خصص الهادي العبيدي افتتاحية الصباح التي كان يكتبها تحت اسم يقظان في العدد الصادر يوم 13 مارس 1955: “فوجئنا بصدور قرار من الإقامة العامة يقضي بتحجير بيع وجولان ديوان الشاعر الشاب منور صمادح الذي أسماه “فجر الحياة”، ونقول فوجئنا لأننا كنا نعتقد أنّ حرية القول والتفكير قد وقع الإيمان باحترامها أخيرا بعد تلك السلسلة الطويلة من تعطيلات الصحف وكبت صوتها.”
ومن هذا الديوان نقتطف هذه الشذرات:
” من أنا؟
قذف الغيب بإنسان إلى
عالم الكون فأمسيت أنا
من أنا يا ربّ هل ذاك الذي
هبط الأرض لحتف يجتنى؟”
ثم كن ذئبــــــــــــــا
خلّة الصبر سلاح العاجزين
وانتظار النصر ضعف وركون
وبنو الأرض ذئاب كلّهم
لا تكن فيها الخروف المستكين ”
كان شعره حماسيّا فيّاضا ممّا شكل له وطأة ومعاناة وحتى تتبّعات أمنية ممّا اضطرّه إلى مغادرة البلد والسفر سنة 1967 إلى الجزائر حيث انضمّ إلى إذاعتها ولكنه عاد عام 1969 منهكا.
كان ينشد :
“أنا كالزهرة في البيد تلظت بالهجير
ضوّعت أشذاءها العذرا وجادت بالعبير”
كما كان يردّد:
“وقد عرف الناس وأني طروب
وأني سمح الفؤاد غرير
ولكن في النفس ما لا يقال
سروري باد وحزني ضمير”.
اشتدّ به المرض عام 1973 فدخل مستشفى الأمراض العقلية وهناك نظم هاته الكلمات التي تقطر دما.
عندما كنت صغيرا كنت أحبو الكلمات
كنت طفلا ألعب بالحرف وألهو بالكلمات
وتألمت كثيرا في جرح الكلمات
وسفحت العمر دمعا من عيون الكلمات
ولقد مت مرارا في سبيل الكلمات
فصدور الناس قد كانت قبور الكلمات.
فاضت روح الشاعر منوّر صمادح يوم 28 ديسمبر 1998.

شهادة

جاء بقلم الأستاذ أحمد الودرني في كتاب “في الشعر التونسي الحديث” نشر اتحاد الكتاب التونسيين عام 2005 في فصل الصورة الشعرية ورهان المعنى في شعر منوّر صمادح: ” أقول فيه ما قاله أحدهم في أبي تمّام : رأيت فيه من الحكمة والذكاء والفطنة مع لطافة الحسّ وجودة الخاطر، ما علمت منه أنّ النفس الروحانية تأكل جسمه كما يأكل السيف المهند غمده”. ص 81 .

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى