صالون الصريح

عيسى البكوش يكتب/ البشير التركي (1931-2009): العالم الذي لم يأبه به قومه

issa bakouche
كتب: عيسى البكوش

‘إنّما يخشى الله من عبادهِ العلماءُ’ (سورة فاطر آية 28)، لعلّ المهندس والدكتور في الفيزياء النووية صاحب كتاب ‘ولله العلم’ واحد من هؤلاء…

هو المنعّم البشير التركي المولود بالمهدية يوم 21 مارس من سنة 1931، حفظ أجزاءً من الكتاب العزيز في الكتّاب والمدرسة القرآنية ثم التحق بالمدرسة الفرنسية العربية بالمهدية قبل أن ينتقل عند إحرازه على شهادة ختم الدروس الابتدائية إلى المدرسة الصادقية بالحاضرة سنة 1943، حيث تحصّل على دبلوم المدرسة عام 1949 ثم انتقل إلى عاصمة الجزائر لنيل شهادة الباكالوريا…

في فرنسا

ثمّ كانت الرحلة إلى الديار الفرنساوية تولوز أوّلا حيث أحرز على شهادة مهندس في الكهرباء وعلم المياه سنة 1956، ثم باريس حيث أعدّ وقدّم سنة 1959 بامتياز أطروحة الدكتوراه في الفيزياء النووية تحت إشراف أكبر الأساتذة : Joliot Curie و Francis Perrin.
ولقد قام أثناء إعداده لتلك المرحلة الجامعية الختامية بعديد التربّصات سواء في المركز النووي بـ ‘ساكلي’ وبمراكز شبيهة في سويسرا والولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي ‘سابقا’ واليابان والهند كما التحق بصفته طالبا في “كوليج دي فرانس” بالمركز الوطني للبحث العلمي بفرنسا.

تم إعفاؤه من مهامه

لمّا عاد إلى أرض الوطن مقتفيا أثر سلفه المنعّم محمد علي العنابي التحق بكلية العلوم حيث كان أوّل أستاذ محاضر تونسي بها، ولكن سرعان ما وقع إعفاؤه جرّاء مواقفه من مناصري التبعيّة الثقافية واللغوية لفرنسا، وذلك مّا أثار حفيظة المدرّسين الفرنسيين بالكلية فاستجيب لرغبتهم في التخلّص من هذا الشاب المشاكس ومن ثمّة ابتدأت محنة هذا العالم الفذّ الذي انخرط في الحراك الوطني بالفكر والعلم والعمل.
فلقد شارك في تأسيس اتحاد البحّاثين العلميّين التونسيين وودادية الأساتذة التونسيين في التعليم العالي التي ترأسها (1954-1960) ثم كان من المؤسّسين لمجلة التجديد عام 1961 صحبة نخبة من الجامعيين أمثال منجي الشملي وتوفيق بكار وصالح القرمادي.
كما كان يحرّر فصولا في مجلة “La tribune du progrès” لصاحبها الدكتور بن سليمان، كما انضمّ للوكالة الدولية للطاقة الذرية ومقرّها بفيينا ثم تدرّج في سلم المسؤوليات ضمنها حيث أصبح عضوا في مجلس المحافظين من سنة 1961 إلى سنة 1967 ثم رئيسا له، ولكنه في الأثناء بعث في تونس معهد الفيزياء النووية وأدار المؤسّسة التونسية للطاقة الذرية من سنة 1965 إلى سنة 1969 عندما وقع إخراجه عنوة من مركزها بالعوينة نظرا لمواقفه الحادة تجاه أصحاب القرار وقتئذ، بينما كانت بلدان أخرى تطلبه مثل جمهورية مصر التي ترأّس فيها مجلس إدارة مركز النظائر المشعّة ومشاركته في تأسيس المركز الدولي للفيزياء النظرية في تريستا بإيطاليا سنة 1963 والمركز الدولي لاستعمال الطاقة الشمسيّة بمرسيليا في فرنسا عام 1969، ثم في مرحلة لاحقة ليبيا حيث مدّ العون للباحثين في ذلك البلد في مجال الطاقة.

الدسائس تلاحقه

ولقد عاوده الحنين إلى الجامعة فكان للكثيرين من أبناء جيلي شرف التتلمذ إليه في كلية العلوم ولكن الدسائس لم تلبث أن تلاحقه لأنّه كان وهو رئيس قسم الفيزياء يصدح بآرائه فيما يخصّ إصلاح التعليم العالي، وكان دوما يرسل إليّ وأنا أتحمّل وزر المنظمة الطلابية سنة 1969 نسخا من مراسلاته مع العميد والوزير، كما أنه أرسل لي نسخة من تظلمه لدى وزارة الإشراف عند إنهاء مهامه يوم 13 أكتوبر 1969 كـ ‘كوميسار’ للطاقة الذرية ومُذّكرا بمؤهلاته العلمية المعترف بها دوليا ولكن ما من شفيع!.
ثمّ ولى وجهته إلى النشر والتأليف فأصدر سنة 1972 مجلة شهرية تحمل عنوانا برنامجا “العلم” يقول في تقديمها: ” إنّ ظهور هذه المجلة هو نتيجة واقع تداخلت فيه القيّم وانحرفت فيه المفاهيم وتعقّدت فيه النفوس إلى حدّ أن تنكّر الكثير لماضي أمّتهم وحضارتها وأصبحوا يجترّون الإيديولوجيات ويعتبرون التقدم في اعتناق المذاهب المستوردة وفي التقليد الأعمى”.

كتاب “ولله العلم”

ثم تتالت البحوث بالعشرات منها ثلاثة مسجلة بأكاديمية العلوم في فرنسا ومن ضمنها بحوث متعلقة بمقاومة التصحّر بالطاقة النووية واستعمال الكواكب الصناعية للإرسال وإصلاح الماء المالح بالطاقة الشمسية.
سنة 1974 أصدر كتابا يحمل عنوان “ولله العلم” وهو نفس عنوان المحاضرة التي ألقاها في المهدية يوم 18 جويلية 1970 والتي حضرها الصديق محمد صلاح الدين المستاوي صحبة والده المنعّم الشيخ الحبيب المستاوي، ولقد دوّن ذلك في فصل نشره في جريدة الصريح في عددها ليوم غرة جوان 2014 تحت عنوان ‘عالم الذرّة ورائد البحث في الإعجاز العلمي في تونس’.
قال فيه: ‘لقد شدّ الدكتور البشير التركي الحاضرين إلى نواحي الإعجاز العلمي للقرآن الكريم من خلال ربط الآيات بآخر الإكتشافات العلمية والفلكية والطبية’، ويخلص إلى أن العالم (التونسي التركي) كان يلحّ على أنّ ‘العلم هو صنو للإيمان’.
هذا الكتاب يشتمل عبر صفحاته الـ 272 على 18 باب وخاتمة ومن ضمنها ‘الإسلام دين العلم’ و العلم بلا دين أعرج والدين بلا علم أعمى’.
لبّى الدكتور البشير التركي رحمه الله نداء ربّه يوم 14 أوت من سنة 2009.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى