عيسى البكوش يكتب/ نور الدين بن محمود (1914-1990): أحد روّاد الثقافة والإعلام


كتب: عيسى البكوش
‘هو علم من أعلام تونس القرن العشرين ، ملأ اسمه البلاد وشغل الناس وهو واحد من أبرز الأسماء في سماء الصحافة، كان نجما طالعا ما بين سنتي 1936 و1956’.
هكذا وصف أحد العارفين به وهو الصديق عبد العزيز قاسم هذا الرائد في مجال الثقافة والإعلام في مقدّمة الكتاب الذي أصدره علي الجليطي سنة 2014.
هو نور الدين بن محمود المولود بمدينة تونس نهج البرج يوم 16 أكتوبر 1914، التحق سنة 1922 بالمدرسة القرآنية بنهج سيدي بن عروس بإدارة الأستاذ محمد مناشو ثم انتقل سنة 1926 إلى المدرسة ‘الفرنكو ـ عربية’ خير الدين حيث تحصّل على الشهادة الابتدائية عام 1928 ثم بالمدرسة الصادقية وبالموازاة بمدرسة الترجمة بإدارة العلامة William Marçais وتحصل فيها على الشهادة العليا “الديبلوم” وفي سنة 1935 توجه إلى بوردو في فرنسا حيث نال الإجازة في الآداب العربية.
احتفاء بنبوغ بن محمود
يقول علي الجليطي أن مجموعة من الأدباء من أمثال محمود بورقيبة وجلال الدين النقاش وعثمان الكعاك نظموا له بالمناسبة حفلا يوم 03 جوان 1935 بمقر جمعية قدماء الصادقية دُعي إليه شيخ الأدباء العربي الكبادي ومما جاء في نص الدعوة “وبعد فقد عزمنا على تنظيم حفل تكريم للشاب الأديب اليانع ابننا نور الدين بن محمود بمناسبة فوزه الباهر في فرنسا واحتفاء بنبوغ التونسي في ميادين الثقافة والعرفان”.
كان مولعا منذ شبابه بالمسرح ولقد مثل إلى جانب المحامي عمار الدخلاوي في مسرحية “الهاوية” وانضم إلى عدد من الفرق كالإتحاد المسرحي والكوكب التمثيلي وكذلك الشأن في مجال الموسيقى والرياضة: الرشيدية والناصرية والنجاح.
ولقد ترك لنا مدوّنة في مجال المسرح تحتوي على 13 رواية على غرار “الأسيرة” التي قدمت إلى الجمهور يوم 25 جانفي 1942 وهي من تمثيل أحمد بوليمان وحمودة معالي والبشير الرحال. و”إدريس آخر الموحدين” التي تم عرضها يوم 12 جوان من نفس السنة.
ومسرحية “سلاّك الواحلين” التي قدمت على خشبة مسرح أوبرا الجزائر يوم 25 فيفري 1949.
في الفن السابع أيضا
كما أنه افتتن بالفن السابع فألف أغاني شريط “الباب السابع” الذي عرض عام 1946 وتولى تلحينها الفنان الهادي الجويني وكذلك شريط “السراب” الذي وضع موسيقاه الفنان قدور الصرارفي وأدى الأغاني المطرب علي الرياحي.
قرض الفقيد الشعر وأغلبه غنائي أي انه من فصيلة ذي المعنى والمغنى ومن نظمه:
سائلوا ليلاي عني
هل رأت خلاّ مثالي
كلما زاد غرامي
زاد في الهجر مجالي
وإذا ذبت بعشق
كان عشقي لانحلال
خير ما في الحبّ
تذكير بآيات الكمال
فإذا ما تم شيء
انذروه بالـــــــزوال
وله قصيدة نظمها عند اعتلاء المنصف باي العرش نشرتها جريدة الزهرة يوم 03 جوان 1943 بحسب ما ورد في الكتاب المرجع لـ علي الجليطي:
أنصفوك المدح أم لم ينصفوك
أنت فوق المدح أنت المنصف
أنت طود تاهت الخضرا به
وتسامى عزّها والشرف.
وبعد فإن المجال الذي أبدع فيه نور الدين بن محمود وفاق فيه الأوليّن هو الإعلام بجناحيه: إذاعة وصحافة.
افتتح الإذاعة
فهو أوّل من افتتح الإذاعة التونسية في مقرها القديم بنهج أثينا رقم 18 بإلقائه كلمة أثناء حفل التدشين يوم 14 أكتوبر 1938 وواصل انتماءه لهذه المؤسسة بإنتاجه لعديد البرامج، ثم بتحمّله وزر الكتابة العامة لها سنة 1943، ويرجع إليه الفضل في إحياء ذكرى أبي القاسم الشابي للمرّة الأولى في تلك السنة وكذلك تغطيته ألفية أبي العلاء المعرّي على امتداد يوم كامل يوم 3 مارس 1944.
ولكن هذا العمل الدؤوب لم يلق رضا “الحماة” الفرنسيين فبدأ الجور وابتدأ التعطيل فما كان من صاحبنا إلا أن قدّم استقالته يوم 19 ماي 1946 وعاوده الحنين إلى الحبيب الأوّل – أي الصحافة – فانكبّ على إصدار مجلة ‘الثريّا’ التي بعثها سنة 1943 والتي تواصل عطاؤها بها إلى حدود سنة 1950.
زمن جريدة ‘الأسبوع’
يقول عبد العزيز قاسم عن هذه المجلة: ” لقد تعرّفت عن طريقها إلى كلّ الشعراء والكتّاب التونسيين الذين لمعت آنذاك أسماؤهم في سماء الأدب. ولقد كان أصدر قبلها جريدة “المروج” ثمّ جاء زمن ‘الأسبوع’ وهي الجريدة الإخبارية التي بسببها ستطاله يد الاغتراب بعد 10 سنوات من الصدور، ولقد كانت هيئتها التحريرية تضمّ ألمع الأسماء من أمثال محمد الفاضل بن عاشور وأحمد خير الدين وعثمان الكعاك ومحمد الحليوي والطاهر الخميري وحسين الجزيري ومُفدي زكرياء ومصطفى خريّف والشاذلي زوكار وعبد العزيز قاسم ومحمد الشعبوني.
غادر إلى فرنسا
ولكن لمّا حان موعد التموقع إبّان المفاوضات مع فرنسا من أجل حيازة الاستقلال الداخلي اختارت جماعة “الأسبوع” الاصطفاف إلى جانب صالح بن يوسف المناهض لهكذا مفاوضات، فكان ما ليس منه بدّ عند وقت الحسم، فتمّ إيقاف الجريدة يوم 28 جانفي 1956 وغادر صاحبها الديار متوجّها إلى فرنسا وذلك يوم 15 فيفري من تلك السنة.
في باريس أشبع غليله في مجالات التأليف والنشر والطباعة إلى جانب انشغاله كمحرر في وكالة الأنباء الفرنسية وإعداده لفصول في مجلات فرنسيّة وعربيّة وتوليه ترجمة القرآن الكريم إلى الفرنسية سنة 1967 ونشره في مطبعته التي أطلق عليها اسم ‘قرطاج’.
يقول في رسالة بعثها إلى صديقه أبي القاسم محمّد كرّو يوم 14 مارس 1988: “لقد نهشني القوم في تونس وأوهجوا النار حولي دون ذنب ارتكبته أو جرم اقترفته فتركت لهم الميدان خاويا، وظفرت هنا بأجواء نقيّة تُقدّر المواهب حقّ قدرها وتنسّمت نسيم الحريّة”.
لقد خصّ كرّو في كتابه عن “طه حسين والمغرب العربي” الصادر عن مؤسسة بن عبد الله عام 2001 الفقيد بفصل كامل عن علاقته المتينة بعميد الأدب العربي والذي كان يُشيد بمجلة ‘الثريا’ كلما وصلته من تونس.
ويقول في صفحة 125: “والجيل الحاضر لا يعرف أنّ نور الدين بن محمود قد اجتمع مرّات مع الدكتور طه حسين وأنّ هذه الاجتماعات قد تمّت في بيت طه حسين بالقاهرة التي زارها نور الدين مرّات عديدة”.
ولقد عاوده الحنين إلى بلاده “ولو جارت عليه” فعاد سنة 1989 ويغادر هذه الدنيا يوم 16 أكتوبر 1990 ويدفن رحمه الله في مقبرة سيدي يحي، فرثاه صديق العمر الحبيب شيبوب:
“هذا -ابن محمود- نعاه الناعي
لمّا طواه الموت طيّ شراع
في يوم مولده تخطفه الرّدى
فاسكب دموع الواله الملتاع
هيهات تنساه (المروج) وقد رأت
فيه (الثريا) صاحب الإبداع
أمّا الإذاعة فهي تشهد أنّها
نالت بما أسرى رضى الإجماع
اهنأ فإنّك بالجنة مبشّر
من أجل سعيك وهو غير مضاع.




