محمد الحبيب السلامي يحب أن يفهم: في الكسكسي والمحمص و’العولة’


كتب: محمد الحبيب السلامي
..في هذا اليوم أنا وأنت وهو وهي ونحن صرنا نشتري (المحمص والكسكسي بالكيلو) ..في اليوم، والعهد الذي مضى، عهد الجدات كانت الخوابي في بيت المونةً عامرة مليانةً بالكسكسي والمحمص والبرغل..
في اليوم والعهد الذي مضى كانت ‘العولة’، وفي كل دار الأيدي تتمد لإعداد العولة، فكيف و(كيفاش) تلتقي الجدات والأمهات، والخالات والعمات والجارات يعددن العولة؟
كيفية تحضير ‘العولة’
كان رب البيت يشتري كيسا من القمح الصلب، والقمح يغربل حتى لا يبقى فيه تراب، والقمح يصب كمية بعد كمية على مائدة كبيرة قصيرة، وحول المائدةً تجتمع أيدي نساء وبنات البيت لتنقية القمح من الحصى…والقمح يوجه للطاحونة، والطاحونة كان البغل يديرها…
وفي عصر الصناعة صارت تُدار بالكهرباء، وحولنا كانت طاحونة عبد المولى في طريق الأفران، وفي طريق العين كانت طاحونة عمران وطاحونة شقرون، والقمح من الطاحونة يعود لربة البيت دقيقا، والدقيق تأخذه الغرابل تستخرج منه (السداري والغرابل أنواع) وتُبقي على الدقيق الصافي، والدقيق سميد ذهبي تنصب له الجفان، والجفان كبيرة من خشب أو من حديد…
يصير السميد كسكسا
وحول كل جفنة تجلس النسوةً، الأم والجدة والخالة والعمة والجارة، وتبدأ كل امرأة (تفتل) السميد الذي صب في الجفنة، فهي ترشه بقليل من الماء مرة بعد مرة وفي كل مرة تديره بيدها وبمهارة وخبرة ومعرفة حتى يصير السميد كسكسا أو يصير محمصا كما تريد ربة البيت، فإذا استوى يصب في (فرشة طويلة عريضة بيضاء) ثم يُوضع تحت الشمس ليجف، والمحمص يوضع في الخابية والكسكسي يتم تفويره في الكسكاس الكبير، ثم يغربل، ليٌصب في خابية ببيت المونة..
هكذا أو قريب من هكذا كانت في أغلب بيوت صفاقس تتم العولة لطعام العائلة فلا يشتري رب البيت (كسكسي ومحمص)، هذه العولة كانت تتم في منتصف الخريف..
سند ‘العولة’ في الحرب
هذه ‘العولة’ كانت لها في صفاقس مزية كبرى..لما نصبت الحرب العالمية الثانية خيامها على صفاقس في منتصف الخريف وفر السكان من المدينة إلى الأبراج وأغلقت الأسواق والدكاكين وانقطعت التجارة وجدت العائلات الصفاقسية في ‘العولة’ سندا..منها الغذاء ومنها العشاء، ولم يحتاجوا إلى (الروز) إلا في الأشهر الأخيرة..
هل نتحسر على ‘العولة’؟
ولما دخلت صفاقس الصناعة والمصانع، وخرجت البنت إلى المدرسة، ودخلت المرأة ميادين العمل خارج البيت نزل الستار على ‘العولة’، وصار رب البيت يشتري من صنع المصانع
الكسكسي والمحمص والبرغل والتشيشة بالكيلو في الباكو…فهل نتحسر على ماضي ‘العولة’؟ أم نتسلى بقصته وماضيه ونترحم على عصر الحدة و’العولة’ ونشيد بعصر الصناعة وإنتاج المصانع؟
ماذا يقول الأصدقاء والصديقات وبماذا يعلقون ليفيدوا ونزداد معرفة وفهما، وأنا أحب أن أفهم؟




