بالمناسبة: حديث عن بنزرت قلعة النضال ومدينة الجلاء..ولكن بأي حال عدت يا عيد؟


كتب: الأمين الشابي
عرفت البلاد التونسية الكثير من المحطات النّضالية عبر تاريخها المعاصر، من أجل تحرير البلاد من براثن الاستعمار الفرنسي… وخاضت بلادنا أكثر من معركة ومصادمة مع الاستعمار الفرنسي. ولعلّ أهمها معركة الزلاج سنة 1911 وحوادث التجنيس سنة 1933 وحوادث بنزرت 1961.

ودون استنقاص من عديد المحطات النضالية لنيل الاستقلال وطرد الاستعمار الفرنسي من ربوع بلادنا، ودون الغوص في كثير من التفاصيل، تعتبر معركة الجلاء ببنزرت من أهم هذه المحطات والمعارك النضالية والتصادم المباشر مع المستعمر الفرنسي. هذه المحطة التي خاضتها بلادنا لطرد آخر مستعمر من على التراب التونسي وتحديدا من بنزرت.
وقد عرفت هذه المحطة النضالية لمعركة الجلاء ببنزرت، الكثير من الأخذ والرّد والمواقف التي تصل أحيانا إلى حدّ التناقض، خاصة حول قرار اتخاذها أصلا. وليس المجال سانحا الآن للخوض في تلك المسألة، فقط أردنا من خلال هذه الورقة الوقوف أوّلا عن العدد الذي سقط في معركة بنزرت سواء في صفوف المدنيين أو الجيش أو الحرس الوطني. باعتبار ما ساد من جدال حول هذه المسألة.
وثانيا أردنا الوقوف عن وضع بنزرت الآن، بعد ما يزيد عن 6 عقود من الزمن عن هذه المحطة النضالية، خاصّة وأن بنزرت تعيش هذه الأيّام على وقع احياء ذكرى جديدة من عيد الجلاء، وما يعنيه هذا العيد من وقع على كلّ التونسيين.
I معركة الجلاء ببنزرت كانت الأبرز في سجل النضالات
تونس ومن أجل نيل استقلالها مرّت وعرفت العديد من المحطات النضالية ضدّ المستعمر منها واقعة المكنين سنة 1934 والتي سقط فيها شهداء أبرار ( 14 شهيدا). وأيضا حوادث المتلوي والمظيلة والماتلين وباجة سنة 1937 والتي استشهد خلالها 21 تونسيا بالمتلوي و 5 شهداء من المظيلة. وشهيد واحد بالماتلين. وشهيد آخر بباجة. فضلا عن استشهاد 41 تونسيا بمعركة الرمادة وعلى رأسهم ابن بني خداش مصباح الجربوع وذلك سنة 1958…
ولكن ما ميّز معركة بنزرت سنة 1961 هو العدد الهام من المدنيين والحرس الوطني والجيش الوطني الذي سقط في هذه المعركة ـ وقد اختلف، في تحديد هذا الرقم من الشهداء، الكثير من الجهات بل وشكّك البعض في العدد الحقيقي لشهداء المعركة المفصلية ببنزرت. والميزة الثانية لهذه المعركة هي مشاركة العديد من أبناء تونس من مختلف الجهات والولايات في هذه المعركة، رغم عدم تكافؤ القوى بين التونسيين المتكونة من الحرس الوطني والجيش والمواطنين، وبين الجيش الفرنسي وذلك على مستوى العدّة والعتاد والعدد البشري.
1/ الشهداء المدنيون ببنزرت:
وحتّى نعطي لكلّ جهة من البلاد حقّها في المشاركة في معركة بنزرت و الذود عن الوطن نورد أوّلا وأن العدد الجملي الذي تمّ نشره رسميا من قبل كتابة الدولة للإخبار في أواخر 1978 تحت “عنوان سجّل شهداء تونس” كان في حدود 644 شهيدا، موزعين على 14 ولاية وهي ولاية تونس والأحواز (233 شهيدا)، ولاية بنزرت (134 شهيدا)، ولاية الكاف ( 63 شهيدا)، ولاية جندوبة (44 شهيدا)، ولاية سوسة (43 شهيدا)، ولاية قفصة (38 شهيدا)، ولاية القصرين (32 شهيدا)، ولاية القيروان (22 شهيدا)، ولاية باجة (9 شهداء)، ولاية قابس (8 شهداء)، ولاية صفاقس (7شهداء)، ولاية مدنين (7 شهداء)، ولاية سيدي بوزيد (3 شهداء) و ولاية نابل (شهيدا واحدا).
2/ قائمة اسمية لشهداء سلك الحرس الوطني
أيضا سلك الحرس الوطني شارك في معركة بنزرت وأبلى البلاء الحسن في هذه المعركة المفصلية. وحتّى نعطي فكرة عن عدد الشهداء في سلك الحرس الوطني الذي سقطوا في معركة الجلاء نورد هذه الإسمية التي صدرت في أواخر سنة 1978 في أحد المراجع الثقافية التونسية، وهذه القائمة كالتالي:

3/ قائمة اسمية لشهداء سلك الجيش الوطني
كما خاض سلك الجيش الوطني المعركة الندّ للنّد ضد المستعمر الفرنسي ويكفي أن نذكر الرائد محمد البجاوي والدور الذي لعبه في المعركة. وهي مناسبة للتعريف بهذا القائد العسكري المقدام.
فقد ولد قائد المدفعية التونسية الشهيد محمد بن حميدة البجاوي سنة 1926 بضاحية دوار الشط لتونس العاصمة، وتلقى دراسته الابتدائية والثانوية إلى أن تحصل على شهادة الباكالوريا، ليلتحق سنة 1948 بالمدرسة العسكرية بشرشال بالجزائر وبعد تخرجه منها واصل دراسته العسكرية لمدة ثلاث سنوات أخرى بمدرسة الأسلحة “كوان كيدان” ليتخرّج ملازما في الفرقة المدفعية 52.
إثر تأسيس الجيش التونسي، بادر الشهيد بالالتحاق بصفوف الجيش، وبذل مجهودا كبيرا في ميدان تنظيم المدفعية بحكم اختصاصه (مدفعية مضادة للطائرات). سنة 1956 تمّت ترقيته إلى رتبة مقدم وبعدها إلى عقيد، ليعيّن بعد ذلك قائدا لأول فرقة مدفعية تونسية.. وما يُعرف عن الشهيد محمد البجاوي أنّه كان من بين الضباط الذين رفضوا أوامر القيادة بالانسحاب من المدينة وتركها تسقط بيد العدو، لكنه اختار البقاء داخل المدينة ومواصلة القتال والدفاع عنها حتى الموت وبالفعل فقد استشهد في 21 جويلية 1961 أثناء معركة الجلاء حاملا سلاحه متقدما مجموعته في المكان المعروف اليوم بنصب الشهداء.
وفيما يلي، قائمة الشهداء من العسكريين الذي سقطوا أثناء معركة الجلاء.

II بأيّ حال عدت يا عيد الجلاء على بنزرت؟
بنزرت هي اليوم على موعد متجدد مع إحياء هذه الذكرى..ومن عجائب الدنيا، وأنّ بنزرت لا تعرف كلّ هذا الاعتناء الكبير بمحيطها إلاّ عند قرب موعد عيد الجلاء. ومن المفارقات في هذه الولاية وأنّ كلّ شيء يتم تجنيده من عملة واعتمادات وطلاء، تنظيف وتقليم للأشجار وحرص شديد على نظافة المحيط واستصلاح لبعض الحفر المتناثرة هنا وهناك…وتعود حليمة إلى عادتها القديمة بعد هذه المناسبة. ويكفي ذكر هذه النقاط السوداء لنقف على معاناة المواطن.
*ركود اقتصادي و انتشار البطالة
بعض المصانع الهامة في بنزرت توقفت أو هي شبه مغلقة ونعني بذلك ‘معمل اسمنت بنزرت’ و’معمل السكر’ و “مارينا بنزرت” ومدى تأثير ذلك على الركود الاقتصادي بالجهة وتأثيره السلبي على الإنتاج وانتشار البطالة، فضلا عن العديد من النقاط السوداء التي ما فتئت تتكاثر بالجهة.
1/”اسمنت بنزرت شبه متوقف:
بعض المصانع الهامة الكبرى وبعض المشاريع السياحية، تلفظ أنفاسها الأخيرة ويكفي الإشارة إلى معمل اسمنت بنزرت الذي أصبح شبه مغلق باعتبار المشاكل التي تحف بمقطع الحجارة التي تزودّ هذا المصنع. هذا فضلا عن المشاكل البيئية التي أثارها بعض المواطنين المتاخمين لهذا المقطع. إضافة إلى تصدي بعض المواطنين – خوفها على تصدع منازلهم – جرّاء استعمال “المفرقعات” للحصول على كميات الحجارة الضرورية لإنتاج الأسمنت.
2/توقف معمل السكر
لأكثر من سبب يبدو وأنّه تمّ إغلاق معمل السكر ببنزرت بصفة نهائية أو على الأقل في انتظار حلحلة الأضرار البيئية التي يتسبب فيها هذا المشروع حسب ما يُشاع من أكثر من جهة.
ويُرجح وأنّ السبب الرئيسي لهذا الإغلاق هو مشكل بيئي بالأساس. وما يعنيه ذاك الاغلاق من إحالة الكثير على البطالة وما يتبعها من مشاكل اجتماعية فضلا عن حرمان الجهة من المساهمة في الدورة الاقتصادية للبلاد وما تعنيه مادّة إنتاج السكر من أهميّة.
3/معضلة ‘مارينا بنزرت’
للتذكير يعتبر مشروع “مارينا بنزرت” من أهم المشاريع بالجهة باعتباره، وحسب تصميمه الأوّلي ( حسب الصورة ) يتضمن مرفأ ترفيهي سيوفر 800 حلقة ربط على مساحة بحرية تتجاوز 35 هكتار وهو ما يجعله من أكبر الموانئ البحرية بالبحر الأبيض المتوسط إذ يمكّن هذا الميناء من استيعاب أكثر من 50 يختا يتراوح طولها من 40 إلى 110 متر و مأوى للسيارات يتّسع لـ 250 سيارة بالإضافة إلى احتوائه على مركب سكني فضلا عن توفير عددا هاما من مواطن الشغل و التأثير إيجابا على الدورة الاقتصادية بالجهة مع تهيئة كلّ محيط المشروع و المحافظة على تاريخ تراث المنطقة عموما، وذلك بكلفة جملية ناهزت الـ 75 مليون دينارا و تشرف على هذا المشروع الضخم شركة مارينا كاب 3000.
ولكن هذا المشروع ظل يراوح مكانه إلى يومنا هذا وما يعنيه ذلك من خسارة للجهة، اقتصاديا وسياحيا واجتماعيا. والسؤال كيف السبيل إلى مضي قدما من أجل أن نجعل من هذا المشروع من مشروع خاسر إلى مشروع رابح، وبالتالي لابدّ من رؤية كاملة ومتكاملة للمشروع برمته وبكل تفاصيله ولنتوقف عن البكائيات فلا بدّ من ايجاد حلّ يرضي كل الأطراف، الشركة والبلدية والمجتمع المدني وحقوق الجهة ولابدّ أن يكون التحرك بالتوافق بين البلدية والمواطن على أساس التشاركية والتناغم بين الطرفين…ولكن نحن نخسر الكثير في توقف هذا المشروع السياحي الضخم؟
4/ “الفولاذ” تمّ إنقاذه من هذا النزيف
مصنع الفولاذ الذي تمّ انشاءه منذ سنة 1965 كان هو أيضا على وشك الاندثار بسبب الإهمال وعدم الصيانة، وذلك تمهيدا للتفويت فيه بثمن بخس لا يتجاوز الـ 50 مليون دينارا، باعتبار حجم الخراب وسوء التصرف وقد تسبب هذا الوضع في تسريح حوالي ألف من العملة وتوقف كل الإنتاج تقريبا في هذا المصنع. مع الملاحظة وأنّ تونس كانت من بين البلدان المُصدرة للحديد إلى أمريكا وأوروبا. كان هذا بعض المقتطفات من كلمة رئيس الجمهورية قيس سعيد على إثر زيارة فجئية أداها في أواخر ديسمبر 2023 لمصنع الفولاذ. ولكن ما أكّد عليه السيد رئيس الجمهورية وأنّه لا سبيل إلى التفريط في هذه المؤسسة الصناعية الهامّة. و بالتالي هل نلتمس من رئيس الجمهورية معالجة ما تمرّ به بعض المؤسسات على غرار “اسمنت بنزرت” و” معمل السكر” و “مارينا بنزرت” و غيرها من المصانع الأخرى..
III نقاط سوداء أخرى لابدّ من تلافيها
تشهد ولاية بنزرت بمختلف معتمدياتها الـ 14 الكثير من النقاط السوداء والتي تشترك فيها تقريبا جل الجهات التابعة لولاية بنزرت ولعلّ أهمّها استعجالا تتمثل في:
* تحرير الرصيف
ويكفي ذكر ‘استعمار’ الرصيف من قبل التجار والمقاهي والمطاعم والمغازات وبائعي الخضر وحتى الأسماك التي عليه جلّ الجهات بالولاية لنقف على الوضع الكارثي لاحتلال الرصيف من قبل هؤلاء وبالتالي لا أحد يتدخل لإيقاف هذا النزيف – رغم حزم بعض المسؤولين على تحقيق ذلك – هذا الوضع جعل المواطن لاجئ في الطرقات بالرغم ما يمثّله ذلك من خطر عليه.
*الأمطار نعمة ونقمة أحيانا أخرى
في فصل الأمطار بقدر ما نتمنى أن يدّر علينا المولى من الغيث النافع بقدر ما يصبح الوضع داخل بعض الجهات من الولاية كارثي، جرّاء تهاطل الأمطار. عن وضع البالوعات – حدّث و لا حرج – فهي تصبح مثل الآبار الارتوازية -وهي تقذف بما تيسّر من المقذوفات في الشارع -. أمّا المواطن وعابر السبيل، شيخا كان أو امرأة مسنة أو تلميذا، فلا تسأل عن حاله فالكل في ” نعيم” من خيرات الغيث النافع النازل من السماء ومن المتدفق تحت الأرض أيضا.
*طرقات مهترئة ومخطط مديري للمرور تجاوزه الزمن
الطرقات، هي أيضا لم تتخلف عن هذا الوضع “الجميل” بل والجميل جدّا بألوان الحفر والنتوءات المتناثرة تقريبا في كلّ شبر من كل نهج ومن كلّ شارع. فضلا عن تجاوز الزمن للمخطط المديري الحالي للمرور والذي يتطلب تدخلا عاجلا بالجراحة لتسهيل الحركة المرورية داخل الجهات التي أصبحت لا تحتمل وفي كل الفصول.
*البنايات القديمة ذاك الخطر الداهم
البنايات القديمة، هي أيضا أصبحت من ميزات ولاية بنزرت ففي كل شبر يتم هدم بناية قديمة منها مدرسة شارع الجمهورية والسوق البلدية وتبقى على حالها؟ أما مبنى الكنيسة القديم بماطر والمهمل مما يزيد عن عقود لا ندري متى سيتم الالتفات لهذا المبنى المهمل؟ والقائمة طويلة ومازالت للمباني الآيلة للسقوط وبالتالي الهدم لما تمثله من خطر على المواطن عموما. خاصة تلك التي على ملك الخواص؟ وبالتالي متى يتّم إلزام هؤلاء الخواص من التخلص من هذه النفايات الخطرة على المواطن؟ وأيضا متى ستعمل الجهة المسؤولة على إعادة بناء ما تمّ هدمه من بنايات قديمة خاصة وأنها أصبحت تشوه جمالية المدينة أو يتم استعمالها وبصفة غير شرعية كمرابض للسيارات وبمقابل؟
كلمـــــة الختـــــــام
فهل يتم التدخل لحلحلة الأوضاع بالجهة عموما و ايلائها ما تستحق من عناية، باعتبار ما قدمته ولاية بنزرت من مساهمات سواء في معركة التحرير ضد المستعمر الفرنسي أو في معركة البناء والتشييد. ولكن يبدو وأنّ بنزرت لم تنل حظها رغم ما حباها به الله من قدرات هامة، صناعية و فلاحية وسياحية..لننتظر…




