صالون الصريح

نوفل سلامة يكتب: حادثة الصلاة في المعهد والهوية الحائرة!!

slama
كتب: نوفل سلامة

في زخم الأحداث العالمية والعربية المؤثرة وخاصة ما يحصل في غــ. زة من جرائم حرب ضد الإنسانية ومن إبادة متواصلة ترتكبها دولة الاحتلال الإسرائيلي بدعم من الغرب الأطلسي المتحالف ضد الشعب الفلسطيني المحاصر ومدنه المدمرة، والذي يناضل الضمير العالمي الحي من أجل فك الحصار الغذائي عنه، وإيقاف الحرب الظالمة والمفروضة عليه.

مصاعب الحياة

وفي سياق الإهتمام بقضايانا الداخلية المتعبة والمؤثرة في حياة الشعب الذي يبحث عن تحسين عيشه ومقاومة كل أشكال الاستغلال والتهميش وفضح من يتلاعب بقوته، ومن يصعّب عليه حياته من وراء المضاربات وغلاء الأسعار ويصارع من أجل توفير مقومات الحياة الأساسية بما تسمح به مقدرته الشرائية وما يوفره المرتب الشهري..
وخاصة ما تعيشه الفئات الاجتماعية الفقيرة الهشّة والمهمشة من مصاعب وإكراهات على مجابهة إحراجات الحياة اليومية فضلا عن توفر محيط اجتماعي ملائم للعيش الكريم.

قضية الصلاة..والجدل الكبير

في هذا السياق المضطرب والكل منغمس في القضايا الكبرى والمواضيع الحساسة تظهر قضية التلاميذ الذين منعوا من أداء صلاة العصر في ركن ملعب المعهد الذي يزاولون فيه تعليمهم في فترة الراحة، وهي قضية هامشية ما كان لها أن تأخذ كل هذا الحجم من الإهتمام، وهذا القدر من التغطية الإعلامية من مختلف المنابر الإعلامية التي خصصت حيزا من برامجها للحديث حول القضية والفضاء الافتراضي الذي تناول الموضوع باهتمام كبير…
لو تصرّف القائم على المدرسة بطريقة أخرى غير تلك التي ظهر بها والتي أظهرته في وضع متشنج وفي معركة كلامية في مسألة دينية حسّاسة تُعدّ من أركان الإيمان والانتماء للدين الإسلامي ما جعل حادثة التلامذة الذين منعوا من أداء فريضة من فرائض الإسلام في المعهد تتحول إلى قضية رأي عام، وحديث كل الشعب…

عُقد الماضي تطفو من جديد!

لنشهد عودة من جديد إلى نفس المربع القديم الذي عاشته البلاد في فترة التسعينات من القرن الماضي وانقسام الشعب إلى من هو مع ومن هو ضد ومن هو معارض ومن هو مؤيد وكأن الشعب لم يشف من جراحات وآلام تلك الفترة…

وكأن البلاد لم تستوعب مرحلة الانتقال الديمقراطي التي حصلت بعد الثورة، وكأن العقل التونسي ما زال يعاني من أزمات وعقد الماضي وبقى حبيس الزمن الذي خلناه قد ولى ولم يتطور مع التحولات التي عرفتها البلاد ويعرفها العالم وعاد من جديد إلى صراع الهوية ومعه عاد الحديث عن مكانة الدين في المجتمع و حديث آخر عن صفة الدولة بين انتمائها لفضائها الإسلامي وهويتها العربية الإسلامية وبين صفتها المدنية التي تفصل بين الفضاء الديني والفضاء المدني وفق الرؤية العلمانية الفرنسية اليعقوبية لعلاقة الدين بالدولة وعلاقة الدين بالسياسة ونقاش حول ضرورة إبعاد الدين والممارسات الدينية من كل الفضاءات الأخرى لنعود من جديد إلى نفس الخطاب القديم بين الإسلاميين والعلمانيين…

واستمعنا إلى خطابات تعود وتوظف في الدفاع عن الموقف ويتم استجلابها واستحضارها في سياقات مختلفة وفي زمن مختلف ليتم اسقاطها على حادثة أبطالها تلاميذ مراهقون ولدوا بعد الثورة ولم يعيشوا فترة الجامعة التونسية في ثمانينات القرن الماضي ولا واكبوا زمن التطرف الديني والجماعات السلفية الجهادية في زمن الرئيس الراحل بن علي، وإنما هم شباب ولدوا في زمن التقنيات التكنولوجية الحديثة وزمن الصورة المتنقلة، ويشكلون ظاهرة دينية تعود باستمرار وسوف تعود طالما لم يحل سؤال علاقة الدين بالدولة والمجتمع واشكالية حضور الدين في الفضاء العام وطالما لم نتخل عن المقاربات الغربية في علاقة الدولة بالكنيسة واسقاطات الحلول اللائكية التي أنتجها الفضاء الغربي والأوروبي على المجتمعات العربية الإسلامية.

لماذا هذا الجدل؟

ما استوقفني في هذا الجدل الذي رافق حادثة الصلاة في ملعب المعهد وما خلفته من ردود فعل متناقضة وعنيفة وفيها الكثير من الإقصاء للمخالف ووصم وأوصاف غريبة هو الانطباع الذي راودني والذي جعلني أشعر أنني أتابع قضية وكأنني في بلد الأقليات المتصارعة وأناقش في موضوع من خارج فضائي الذي ولدت فيه وتربيت على قيمه ومثله ذلك الشعور بالغربة في مجال جغرافي مثقل بحمولة تاريخية وثقافية تجعلك ترى من غير الضروري التعرض إلى مثل هذه القضية التي شغلت الرأي العام وأخذت حيزا من اهتمامه والحال أنه ليس هناك من داع لطرحها لو كانت هوية البلاد والشعب واضحة ومتفق عليها.

ما استوقفني هو الإرتداد الذي خلفته هذه الحادثة على الكثير من المواطنين الذي استغربوا من ردة فعل المسؤول على المعهد إزاء قيمة دينية ومظهر ديني عادي، ويثير أي إشكال في بلد مسلم وشعبه في غالبيته يدين بالإسلام مما أفضى إلى حالة من الحيرة والاستغراب بخصوص هوية هذا الشعب وهوية هذا البلد وعاد السؤال حول من نحن؟ ومن نكون ؟ وما هي علاقتنا بالدين الإسلامي؟
وكيف يمكن أن نعيش إيماننا في فضاء جغرافي هويته متشنجة ومضطربة وحائرة ؟ وهو نفس السؤال الذي عاشه المفكر الفلسطيني إدوارد سعيد حين أعاد كتابة سردية الفلسطيني تحت الاحتلال الإسرائيلي وسردية المسلم الشرقي في سياق الدراسات الاستشراقية الغربية التي سعت وتسعى إلى تذويب الهوية الذاتية للإنسان العربي المسلم في مقولات العولمة والحداثة والقيم الكونية وهو نفس السؤال الذي اعترض المفكر أمين معلوف عندما وصل إلى فرنسا بعد حرب لبنان محملا بإرث ثقافي عربي مسلم، ووجد نفسه في صدام وصراع مع هوية أخرى تدعي التعالي وتروج لامتلاك الحقيقة وتسعى لفرض الهيمنة على كل الهويات الأخرى وهو الموقف الذي أنتج حسب أمين معلوف وضع الهوية القاتلة التي تدافع عن نفسها من تجلياتها ظاهرة التطرف الديني والجماعات الجهادية التي تعد حسب الكاتب تعبيرة من تعبيرات طمس الهوية الخاصة واقصائها.

صراع الهوية قائم!

ما أردنا قوله هو أن ما حصل في معهد من معاهد جهة الحمامات يؤكد بكل وضوح أننا لم نشف من صراع الهوية الذي برز مع الرئيس بورقيبة وتجذّر مع الرئيس بن علي وخفت في الآونة الأخيرة ليعود اليوم للظهور ويؤكد أن معركة الهوية لم تُحسم، وأن سؤال الانتماء مازال غامضا وأننا شعب رغم انتمائنا إلى الفضاء الإسلامي ورغم أن تاريخنا مثقل بحمولة كبيرة من الإرث الديني الإسلامي فإن مسألة دور الدين في المجتمع وعلاقة الإسلام بالواقع ما زالت مقلقة والهوية الدينية حائرة إن لم نقل مضطربة، وطالما لم نحسم سؤال الهوية الذي لم يعد من الممكن معالجته وفق المقاربات الغربية التي اسقطتها حرب غزة وكشفت عن خداع الفكر الغربي وحداثته وزيف مقولاته ونفاق قيمه فإننا سوف نشهد من حين إلى آخر نفس ما حدث في ذلك المعهد..

وهذا يعني أن معنى الهوية بالنسبة للشعب التونسي يجب أن يحدد وفق رؤيته هو وقيمه الخاصة به وتصوّره الذي ينفرد به من دون وصايا من فكر المستعمر القديم ولا توجيه من مفكريه ..

إعادة قراءة الدين

أعتقد أننا في حاجة إلى إعادة قراءة الدين وفهم نصوصه وتدبر أحكامه وتشريعاته إذا أقررنا أننا من ضمن هذا الفضاء الجغرافي الذي يقال له إسلامي له فرادته وخصوصيته التي يتميز بها عن الفضاء الغربي المسيحي الأطلسي وله هويته الجامعة حيث الدين مقوم ثابت من مقوماتها.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى