صالون الصريح

علمتني الصحافة ..

كتب صالح الحاجة

يكفي ان تمشي في شوارع بكين او اي مدينة في الصين ..
يكفي ذلك فقط لتتعلم أكثر من درس في الحياة ..
اولا تتعلم الصبر فتصبر على مصاعب الحياة ..

ثانيا تتعلم القناعة فتكتفي بصحفة روز ولا تطلب اي شيء اخر ..
ثالثا تتعلم ان ليس للانسان الا ما سعى ..
اما ان تكدح واما ان تذهب في خبر كان وغير مأسوف عليك ..
رابعا تتعلم ان المواطن الصيني الجيد هو من لا يتذمر و يعيش بالأمل ..
قالت لي مدام داي التي رافقتني طوال فترة الزيارة سعادة الصيني موجودة في أداء عمله وفي صحفة الروز اليومية …
عندما يعمل ويكدح وينتج ويجتهد يشعر بالسعادة ..ويشعر بأنه يؤدي واجبه تجاه بلاده ..
وعندما يضع بين يديه صحفة الروز يشعر كذلك بالسعادة لان تلك الصحفة تضمن له الكرامة في الحياة التي لم يكن يحظى بها قبل سنوات في ظل المجاعة التي كانت تدمر الصين ..
وقالت لي مدام داي وهي صحفية تجيد اللغة الفرنسية وإن كانت لا تعرف فرنسا : اذا اردت ان تضع الصيني في ” المكتوب ” وتستحوذ عليه ويصبح صديقك فقل له كلاما طيبا عن الصين ..قل له انك تحترم عظمة الصين …قل له انت منبهر بالحضارة الصينية …قل له إن الصين في طريقها الى ان تصبح قوة عالمية ضاربة ..قل له انك شديد الاعجاب بسور الصين العظيم ..
وسألتها : لاحظت ان الصيني شديد الحذر من الأجانب …ويتحاشاهم …وحتى إذا تحدث معهم فـ ‘كلمتين وقص’…

قالت لي : ملاحظتك في محلها وصحيحة …الصيني لا يثق كثيرا في الاجانب …ويظن بهم الظنون …ويعتقد ان الصين مستهدفة …وله خوف عام من الجوسسة والجواسيس ..
ومدام داي امرأة في الأربعين قصيرة بعض الشيء ولسانها اطول منها وجدية فوق اللزوم تشتغل طوال النهار وتحلم بان تشتري ‘باسكليت’ …
والدراجة في الصين حكاية طويلة ..
المواطن يستخدم بسكليت بشكل كبير وثمنها لا يزيد عن 10 دنانير فقط لأنها صناعة محلية ولأنها مصنوعة من اللازم في اللازم ..
لم تكن هناك سيارات الا بعدد قليل جدا …
والناس إما عندهم بيسكلاتاتهم الخاصة او يستخدمون النقل العمومي الذي يشتغل بالليل والنهار بنفس النسق لأن العمل لا يتوقف فهناك 3 حصص يومية وكل حصة تستغرق 8 ساعات ..
وفي المطاعم العامة لا توجد غير صحفة الروز …
هناك أطباق كثيرة مما لا يخطر على بالك ..فكل ما يطير ويسبح ويدبي فوق الارض يتحول الى اطباق ..
وبما انني لا احب الطعام الذي اجهله ولم اتعوده فقد عانيت من الجوع طيلة فترة الزيارة ..
ولم تنقذني من الموت جوعا الا حكة هريسة تونسية كانت معي ..
كنت ابحث عن “قدمة خبز ” ولا أعثر عليها إلا بصعوبة شديدة واعود الى الفندق و اطليها بالهريسة واتناولها واحمد الله الذي لا يحمد على مكروه سواه ..
لقد تعبت وجعت ولكنني تعلمت ..واستفدت …وفهمت …
ولما عدت كتبت طويلا عن هذا البلد البعيد الغريب ..
وتمنيت لو ان ما كتبته جمعته وأصدرته في كتاب ..ولكن ‘اعطيني عقلك’..
وما أكثر الكتب التي اكتشفتها في الصين وحدثتني عنهم مدام داي ولكن للاسف كلها مكتوبة باللغة الصينية ..
ولو جاز لي لاطلقت على الصين اسم بلد الحكمة ..
إن الحكمة في هذا البلد قديمة قدم الإنسان ..
وقد اسعدني جدا ان عثرت على نسخة عربية من كتاب ‘فن الحرب’ للفيلسوف ” صن تسو ” …
ويوم ان عثرت عليه شعرت انني عثرت على كنز عظيم ..
لقد اهداني اياه صديقي الاعلامي والمربي والشاعر المشاكس ساسي جبيل …وقراته المرة تلو المرة وكثيرا ما أعود إليه ..
كتاب حكمة بالفعل يعلمك أن الحياة ساحة حرب وعليك ان تتعلم فن الحرب واحسن الحروب هي التي لا تقع فطالما ان الحرب ستنتهي بالسلام فلنذهب مباشرة الى السلام …
يقول الفيلسوف ” صن تسو ” :
معرفة متى يستطيع المرء خوض المعركة ومتى لا يستطيع انتصار ..
معركة استخدام الكثرة والقوة هو انتصار ..رغبة الأرفع والادنى في تحقيق الشيء ذاته هو انتصار
التأهب وانتظار من لم يتاهب هو انتصار..

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى