صالون الصريح

نوفل سلامة يكتب/ كتاب محمد الميّ: المعارك الأدبية في تونس بين التكفير والتخوين (2/2)

slama
كتب: نوفل سلامة

ما إن هدأت عواصف الضجة التي أحدثتها قصيدة الشاعر نور الدين صمود ‘الأصنام والسنابل’، وخفتت رياح الاحتقان والغضب الذي اشتعل بسببها وخاصة في صفوف الطبقة المتديّنة من رجال الدين وأئمة المساجد…

بعد أن تدخلت السلطة الحاكمة وأوقفت الجدل والنقاش الذي تواصل لأشهر و تحول إلى معارك كلامية وردود قلمية كثيرة طالت شخص الشاعر ونالت من إيمانه ومعتقده حتى تفجرت معركة أدبية أخرى وبرز نقاش حاد آخر احتضنته مجلة الفكر لصاحبها المرحوم محمد مزالي.

جدل صاخب

ومدار هذا الجدل الجديد ما نشره عز الدين المدني في أواخر الستينات من القرن الماضي لأجزاء من قصته ‘ الإنسان الصفر’ التي لم تكتمل فصولها إلى حد يوم الناس، هذا وخلفت منذ نشرها جدلا لا يقل حدة وخطورة عن جدل قصيدة نور الدين صمود الأصنام والسنابل وأحدثت ضجيجا كبيرا وحركية فكرية واسعة تجاوزت كسابقتها مجال النقد الأدبي وتخطت مناقشة جوانبها الفنية وما يدعيه صاحبها من رغبة في التجديد في كتابة القصة وخوض تجربة إبداعية جديدة واقتحام مجالات فنية غير معروفة لم يسبقه إليها أحد إلى جوانب خطيرة لامست شخص الكاتب، وتعرضت إلى إيمانه ومعتقده بعد أن تحولت الأجزاء المنشورة من القصة إلى حديث المساجد في خطب الجمعة وتحولت إلى مادة حبرت من أجلها ردود ومقالات في العديد من الجرائد والمجلات.

وحتى نفهم سبب كل هذه الهجمة الشرسة التي لاقتها قصة ‘الإنسان الصفر’، وندرك كذلك الأسباب التي دفعت عز الدين المدني إلى كتابة هذه قصة بهذا الشكل وهذا الأسلوب والمضمون الذي جلب له سخط الكثير من المثقفين والقرّاء سواء كانوا ينتمون الى الحقل الديني أو حتى إلى المجال العلمي والجامعي نحتاج، كما يقول محمد المّي إلى أن نعود قليلا للحديث عن شخصية عز الدين المدني والتعرّف على البدايات الأولى لهذا الأديب الذي شغل الدنيا في تلك الظرفية من تاريخ تونس والبلاد خارجة للتو من الاستعمار وتستعد لبناء دولتها الحديثة ومن دون هذه العودة إلى حياة الرجل لا يمكن فهم الذي حصل من معركة أدبية فجرتها قصة ‘الإنسان الصفر’.

أديب عصامي التكوين

يقول محمد المي : ” عز الدين المدني أديب عصامي التكوين شأنه شأن علي الدوعاجي لم تتقطع سراويله على مقاعد المعاهد والكليات كما هو حال غيره من الأدباء والمثقفين والمبدعين، عكف على تكوين نفسه بنفسه وقد ولع مبكرا بالمطالعة وقراءة الروايات العالمية والدراسات النقدية وعيون الآداب العربية المتاحة في تلك الأوقات، عمل في الصحافة وبدأت مسيرته في جريدة العمل محررا في صفحتها الثقافية سواء من مطالعته أو مشاهداته أو ما يحدث في الشأن الثقافي، ولع بالقصة وكانت تربطه بالبشير خريف ومنوّر صمادح ورشيد الغالي وغيرهم علاقة تواصل وجدل ثقافي دار وقتها حول القصة القصيرة وأي قصة نكتب؟ وكيف نكتب القصة؟ وبأي لغة نكتب القصة؟ وما هي المواضيع التي يجب أن نطرحها في القصة؟
كان ينشر أعماله الأدبية في عدة منابر وإذاعات أبرزها كان الملحق الثقافي لجريدة العمل وقد تأثر بـ الحركة التجديدية في الرسم التي قادتها مجموعة من الرسامين التونسيين عرفت بمجموعة الست (نجيب بلخوجة ولطفي الأرناؤوط والصادق قمش وفابيو روك جياني وكارلو كارتشي وجان كلود هنان ) أعلنوا القطيعة مع المدرسة التونسية للرسم ومع كل مظاهر التشخيص وأسسوا تيارا جديدا للتجريد في الفن التشكيلي وكان لعز الدين المدني روابط متينة معهم وتواصل دائم مع هذه الحركة الطلائعية التي ترنو إلى التجديد في فن الرسم والخروج عن قوالبه القديمة . ”

نحت الشخصية والتكوين

كل ذلك أثر في فكر عز الدين المدني وساهم في نحت شخصيته وتكوينه وتشكيل وعيه وساعده تأثره بمجموعة الرسامين الستة المنشقة وانفتاحه على الآداب العالمية في أن يصبح هو الآخر متمردا على الأدب وجوانبه الفنية التقليدية وكان يطمح للخروج عن قوالبه الجامدة ومدرسته الكلاسيكية التي قيدت المبدعين وفرضت عليهم نمطا ونسقا بعينه في كتابة القصة فقرر القيام بحركة انشقاق في كتابة القصة وخوض تجربة من نوع جديد في الكتابة القصصية والبحث عن تيار جديد في الكتابة واتباع نوع مختلف وهي مسألة ليست بالهينة ولا السهلة في مجتمع تقليدي محافظ تحكمه عقلية الإبقاء على القديم الذي ينسب إليه الكمال وفي مناخ ثقافي ومشهد أدبي يرفض التغيير والتجديد وفي بيئة ثقافية تأبى ولا تقبل بالتحولات وتحافظ على الثبات.

سياق المناخ العام

كل هذه المعطيات لا بد أن تأخذ في الاعتبار لفهم المناخ العام الذي كتبت فيه قصة ” الإنسان الصفر” والسياق العام الذي كتبت فيه تلك الردود العنيفة ضدها وقد نشر من ” الإنسان الصفر ” الفصل الأول وعنوانه حزب الفجر في مجلة الفكر في عددها الصادر في شهر ديسمبر سنة 1968 والفصل الثاني وعنوانه حزب الصبح مجلة الفكر في عدد شهر نوفمبر سنة 1969 والفصل الثالث وعنوانه حزب الظهر في عدد مجلة الفكر لشهر جوان من سنة 1971 صدر الفصل الرابع وعنوانه حزب العصر بعد ما يزيد عن العشرين سنة وتحديدا في ربيع سنة 1996 أما بقية فصول القصة فلم تر النور إلى حد اليوم ومن المرجح أن عز الدين المدني قد توقف عنها ولم يكمل الأجزاء المتبقية وهي حزب المغرب وحزب العشاء وحزب الشفع والوتر واللافت أن عز الدين المدني لم يضم الأجزاء الأربعة المنشورة في أعماله القصصية الكاملة التي صدرت سنة 2017 وهو ما يطرح السؤال عن السبب الذي جعله يتخلى عن ضم الأجزاء الأربعة من قصته ” الإنسان الصفر” إلى مجموعته القصصية، فهل هو الخوف من أن تحدث ما أحدثته من ضجة حادة وردود فعل غاضبة ؟ أم إقراره بأن هذه القصة ما هي إلا تجربة لا تستحق أن تضم إلى أعماله الكاملة ولا ترتقي إلى الأعمال الإبداعية التي يفتخر بها ؟ أم إلى أسباب أخرى نجهلها و تهم صاحبها؟

القصة التجريبية

يقول عز الدين المدني مدافعا وموضحا الفكرة الأساسية التي جعلته يكتب قصة الإنسان الصفر أن قصته تتنزل في إطار ما يعرف بالقصة التجريبية وهو نوع جديد من القصة ومن الكتابة القصصية ومما جاء في حزب الفجر من الإنسان الصفر ” اقرأ باسم ربك الذي غلق غلق الإنسان من غلق اقرأ وربك الأعظم الذي علم بالقلم كلم الإنسان ما لم يعلم اقرأ باسم ربك الأعظم الذي لفق فلق الإنسان الأفلق اقرأ وربك الأكتم الذي درّس بالقلم الإنسان … إلخ وقد وضع نجمة فسر بها ذلك بقوله هذا تعبير رجل يبحث عن نفسه من خلال عالم اللغة والأشياء وهو مختلف باختلاف ساعات الليل والنهار وفيه من الغموض ما في أنفسنا ومن البيان ما في ألسنتنا وقصته دورة كونية تنطلق من الفجر لتتلاشى في الغسق وأقسامها سبعة مواقيت متواترة وبعد حزب الفجر سوف تتلوه أحزاب أخرى، الصبح والظهر والعصر والمغرب والعشاء والشفع والوتر.”
كيف فهمت هذه الفصول من قصة الإنسان الصفر؟ وكيف تفاعل معها القراء المولعين بالأدب؟ وكيف تعاملت النخبة المثقفة مع الأجزاء المنشورة التي خير عز الدين المدني أن ينشر كل سنة جزءا واحد منها؟
لقد خلف نشر الفصل الأول من القصة وهو حزب الفجر وما تلاه من أجزاء صخبا كبيرا وضجيجا أكبر وردودا قلمية عنيفة استعمل فيها التشهير والتحقير والشتم و شُرعت الأبواب على مصراعيها لاندلاع معركة أدبية حامية الوطيس وجدل فكري وديني كبيرين احتضنتها منابر الفكر والثقافة كان أبرزها مجلة الفكر للمرحوم محمد مزالي ومجلة جوهر الإسلام للشيخ الحبيب المستاوي وجريدة الصباح وجريدة العمل لسان الحزب الحاكم وساهمت فيها أقلام عديدة من المجال الديني ومن الفضاء الأكاديمي الجامعي نذكر منها المرحوم البشير بن سلامة وعلي الشملي وعلي جمعة شيحة ومن المؤيدين له الطاهر الهمامي والمنصف الوهايبي وحسين الواد ومحمد السوسي وغيرهم…

إيقاف مجلة الفكر

وانتهى هذا الجدل بإيقاف مؤقت لمجلة الفكر، ومنع الكاتب عز الدين المدني من مواصلة نشر بقية أجزاء الإنسان الصفر واضطراره مغادرة تراب الوطن نحو المغرب الأقصى وقطع علاقته بالقصة لينشغل بالكتابة المسرحية خوفا على حياته وصونا لسلامته الجسدية بعد أن أصبح مادة أسبوعية فوق منابر خطب الجمعة تستهدف حياته وقد تسببت هذه القصة في تحبير العديد من المقالات المنددة بالكاتب والمشهرة به والمتهمة له بالإلحاد والانحراف عن الجادة وبضعف الوازع الديني وبأنه يعبث بآيات الله وبأن له شخصية مضطربة مجنونة بلهاء ساذجة تضرب المجتمع في أهم مقوم من مقوماته وهو دينه وقرآنه.
يقول محمد المي رغم أن الردود كثيرة ومهمة فإن أطرف الردود التي كتبت حول الإنسان الصفر مقال للبشير العربي المنشور في مجلة جوهر الإسلام في عدد شهر فيفري 1969 عنوانه ” الإنسان الصفر تحت الصفر ” والذي قال فيه ” وأحسب أن عز الدين المدني بهذه التجربة في الإنسان الصفر قد نقل طريقته عن فن الرسم التجريدي نقلا حرفيا لا تصرف فيه إلا باتخاذ القلم أداة عوض الفرشاة والحرف مادة بدل الخطوط والألوان – وهو هنا يشير إلى تأثره بجماعة الرسامين الست التونسيين الذين انشقوا على الفن التشكيلي التونسي وابتكروا طريقة جديدة في الفن –
ويواصل البشير العربي فيقول: عز الدين المدني يبذر بذور الشك في نسبة القرآن إلى الله مشيرا إلى أنه كلام رجل معلنا أن فيه من الغموض ما في أنفسنا ومن البيان ما في ألسنتنا فلا ميزة له إذن على كلامنا ليكون كلام الله .. وفيه تطاول على مقام النبوة وهذه الظاهرة قوامها تشكيك الناشئة في نسبة القرآن إلى الله « ..

اتهامات بالجملة

وتتواصل الردود على عز الدين المدني وقصته الإنسان الصفر واتهامه بالذبذبة والاضطراب وبأنه لا يعي ما يكتب والشك في الدين و بالمراهقة الفكرية و بالتخبط حتى وصل الحال الى تشبيهه بمسيلمة الكذاب وبأنه يعيد نفس تجربته وقد نالت مجلة الفكر من وراء هذه الهجمة التكفيرية هي الأخرى واتهامها بنشر الكفر مما اضطر المجلة أن تخرج عن حيادها و ترد على هذه التهمة، فيكتب البشير بن سلامة افتتاحية يقال أن أفكارها من وحي المرحوم محمد مزالي انتقد فيها ما جاء في الإنسان الصفر وبرأ ذمة المجلة مما جاء فيها ودافع عن توجهات الدولة ونظامها الجمهوري الذي لا علاقة له بما كتبه عز الدين المدني وفي الآن نفسه دفاعا عن الرئيس الحبيب بورقيبة الذي تم اقحامه في هذا الجدل من خلال صمته وعدم تدخله لإيقاف ما اعتبر مهزلة فكرية وأكد على أن البورقيبية – والكلام للبشير بن سلامة – مخلصة إلى روح الإسلام الحق مبنية على مصلحة الأمة ومصيرها.
بعد هذه الضجة الصاخبة التي هزت الأوساط الثقافية وخلخلت المجال الديني وأحرجت رجال الدولة، اضطرت مجلة الفكر أن تنهي هذه المعركة الأدبية وتوقف هذا الجدل الذي أحدثته الأجزاء المنشورة من قصة الإنسان الصفر و تغلق الباب نهائيا أمام الردود في عدد شهر أفريل 1969 إذ قام بورقيبة بإيقاف المجلة نتيجة الهجمة التي حصلت على عز الدين المدني وعلى مجلة الفكر ومن ورائهما على السلطة الحاكمة بعد أن اتضح أن النقاش قد تحول من النقد الأدبي إلى التكفير والتعرض إلى الأشخاص في حياتهم.

المشهد الثقافي في تونس

والمفيد في كل هذه الضجة التي أحدثتها القصة أن محمد المي بعودته إلى ما حصل في تلك الحقبة من تاريخ تونس قد نقل جانبا من الحراك الفكري واستعاد صورة من المشهد الثقافي الذي عرفته البلاد وحملنا معه في سفر إلى الماضي القريب نسبيا لنعيش تلك الأجواء المشحونة والمناخات الأدبية التي أثثتها أسماء كبيرة في الأدب وقامات في الثقافة التونسية والأهم من كل ذلك تلك الرغبة الجامحة إلى التجديد والتطوير وسبر أغوار عوالم جديدة بحثا عن الابداع وكسر أسوار الجمود والخروج عن قلاع المألوف وعلى الحياة النمطية والفكر المعولب والمقولب. يقول محمد المي إن عصر قصة الإنسان الصفر هو عصر الآداب في التقائها الثري مع الفنون والعلوم والاكتشافات فإذا بحثت في القصة الطليعية الحديثة وجدتها لم تعد تخضع لقواعد العقل والمنطق بل أصبحت صورة للحياة المفككة المفتتة وخرجت في شكل وعاء يضم كل التناقضات التي تجعل الحياة كومة من الاخلاط العجيبة وكأن الانسان ينظر إلى الحياة لأول مرة وكأنها لغز ”
ولعل فيما قاله محمد المي تكمن مأساة ومحنة عز الدين المدني وأزمة الثقافة التونسية آنذاك التي لم تستطع أن تواكب كل هذه التحولات ولا استوعبتها ولم يفهم روادها ما يحصل ويدور في العالم من حولهم من تحولات قادمة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى