هنا تطاوين: حين يتحول عدد من أبنائنا إلى ‘وليمة..لأعشاب البحر’

من أعماق الأرض التي تشققت من العطش،ومن تحت سماء تطاوين التي صارت سقفاً للخيبات،تنبعث همسات اليائسين.همسات تتحول إلى هدير،يعلن تمرّده على واقع مُؤلم،واقع جعل من الهجرة غير النظامية حلماً مزيفاً يُباع في الأسواق السرية، وأحياناً في الميادين العامة،بأسعارٍ تبدأ بالأمل وتنتهي بالغرق في عمق اللجة.
قوارب الموت
هنا،في هذه البقعة المتاخمة للحدود،حيث تلتقي صحراء تونس القاسية بليبيا المضطربة،لم تعد “الهجرة” مجرد كلمة تقال همساً.لقد تحولت إلى صناعة قائمة الذات،لها سماسرتها وقوارب الموت الخاصة بها،ولها خطابها المغري الذي يصل إلى مسامع كل شاب يرتمي على مقاهي المدينة،عاطلاً عن العمل، محبطا،محروماً من الكرامة، يشاهد المستقبل يغادر بلا عودة.
مفارقة مؤلمة
المفارقة المؤلمة أن تطاوين،الغنية بثرواتها الباطنية،تصدر أحلام شبابها إلى المقابر المائية..!.مدينة تزخر بالنفط والغاز،لكن سكانها يغامرون بحياتهم على قوارب مهترئة بحثاً عن “غاز” آخر،هو غاز الحياة الكريمة التي حُرموا منها في أرضهم.إنها معادلة لا تُحلّ بالشعارات الرنّانة ولا بالوعود الانتخابية التي تتبخر مع أول موسم للهجرة.
الحديث عن “الوعي” و”نشر التثقيف” بين الشباب،بينما جيوبه خاوية،وتعليمه هش،ومشهده الصحي متداع..
هو كمن يُرقع ثوباً بالياً بمقص.فالفتاة التي تبيع مهرها،والشاب الذي يبيع أرض أجداده،لا يحتاجان إلى محاضرة عن مخاطر البحر،فهما يعرفان أن الموت احتمال قائم،لكنهما يريان أن الموت البطيء على أرض الوطن يقين محتوم.
الجهود الأمنية وحدها،مهما بلغت من قوة،لن تقطع دابر هذه الظاهرة (الهجرة غير النظامية)فالقبضة الحديدية قد تمنع الإقلاع ليلةً ما،لكنها لا تمنع هبوب العاصفة في النفوس التي أنهكها الإحباط.
ومن هنا،المعركة ليست مع شباب يخالف القانون ويغامر بحياته وهو على شفير الهاوية،بل مع واقع أليم،وحياة موغلة في الدياجير ولم ينجلي ليلها بعد،..معركة مع اليأس الذي يصنع منه وقوداً لرحلات العدم،حيث لا شيء غير الندم وصرير الأسنان.
قضية وجودية
الحل يبدأ من اعتبار هذه القضية أمنية قومية وجودية،لا مجرد خروقات أمنية عابرة.ويتطلب إعادة نظر جذرية في سياسات التنمية بالمناطق المهمشة،وتحويلها من منطقة تُذَرُّ فيها الفتات،إلى نموذج للعدالة الاجتماعية.أن تجد الفتاة في تطاوين فرصة عمل تُغنيها عن أن تكون رقماً في إحصائيات الضحايا،وأن يجد الشاب مشروعاً يبني به مستقبله بدلاً من أن يبني قبره بأمواله.
حتى ذلك الحين،ستظل شواطئنا الجنوبية تشهد رحلات لا تنتهي،رحلات من اليأس إلى المجهول، تحمل على متنها أجساداً تبحث عن وطن،وقلوباً تئن تحت وطأة حلم أصبح كابوساً.
والله من وراء القصد.
متابعة: محمد المحسن




