صدى المحاكم

حينما يتحوّل الفرح إلى مأتم في لحظات..من يوقف هذه الظاهرة الخطيرة؟

لا تزال بعض حفلات الزواج والمناسبات الاجتماعية لدينا تشهد وقائع إطلاق النار ما يتسبب بعضها في كوارث مرعبة،رغم أنها محظورة،ومن الظواهر الخطيرة التي ساهمت بشكل كبير في تحويل الأفراح إلى أتراح، والمناسبات إلى مآتم..

وآخر أحداث تلك المآسي ما تسببت به رصاصة طائشة أطلقها شخص في حفل زواج بجهة بن قردان من ولاية مدنين تسببت في وفاة العريس أمام مرأى الحضور.*

أين المسؤولية؟

وللأسف ما زالت تلك الظاهرة متفشية لدى بعض أفراد المجتمع بشكل سافر،دون إحساس بالمسؤولية،ما يجعلنا نشاهد ونسمع إطلاق الأعيرة النارية بشكل مكثف ومزعج وخطير،في ظل مطالبات الأهالي من الجهات الأمنية بوضع حدٍّ لهذه الظاهرة الخطيرة، الناجمة عن تصرفات قد ترتبط بالتفاخر والتعالي من خلال حمل السلاح وإساءة استخدامه وترويع الآمنين وربما التسبب في إحداث إصابات ووفيات،مطالبين بتشديد العقوبة.

عودة قوية للظاهرة

جدير بالذكر أنّ الاحتفالات بإطلاق البارود في أعراسنا،عرفت عودة قوية في السنوات الأخيرة، وأصبحت الولائم وحفلات الزفاف أو الختان لا تخلو من الطلقات النارية التي كانت تقليًدا قديمًا في القرى.إلا أن عشوائية استخدامها وانعدام الحرفية في التعامل مع بنادق الصيد،حول الأعراس إلى مآتم،نظرًا للحوادث المأساوية الناجمة عن هذه الطلقات التي كثيرًا ما تكون قاتلة.

ردود أفعال

وتفاعل أفراد المجتمع لنبذ هذه الظاهرة عبر وسائل التواصل الاجتماعي ومنها-الفايس بوك-، حيث قال المواطن علي.خ : “إن ظاهرة إطلاق النار في المناسبات هي ظاهرة أمنية في المقام الأول،وعلاجها أمني أساساً،وعلى الجهات الأمنية مواجهتها من خلال التصدي لمرتكبي مخالفات استخدام الأسلحة النارية وإطلاق الأعيرة الحية في مناسبات الأفراح وتطبيق العقوبات القاسية بحقهم.

وأضاف: “لو طبقت القوانين في حق هؤلاء المخالفين لما رأينا مثل هذه الأخبار المحزنة، مضيفا: حذرنا سابقاً الجهات الأمنية من هذه الظاهرة المنتشرة وبكثرة في مناسبات الأفراح وغيرها لكن دون جدوى.”
ويؤيده بذلك المواطن جمال.ن بقوله:”إن ظاهرة إطلاق النار انتشرت بشكل ملفت في الأعراس بمختلف جهات البلاد،في ظل مطالبات الأهالي من الجهات الأمنية بوضع حدٍّ لهذه الظاهرة الخطيرة.”
ويرى الكاتب م.ع أن لو كانت هناك حملة لسحب السلاح ومصادرته لاختفت ظاهرة إطلاق النار بالأعراس وتوقفت المآسي التي نشاهدها، ويضيف: “العقوبة ليست حلا دائما طالما هناك سلاح بيد المستهترين بأرواح الأبرياء..!”
من جانبه،أشار أحمد.ع ،مختص في علم الاجتماع، إلى أنّ إطلاق النار في حفلات الزفاف والأعراس والمهرجانات عادة موروثة تشترك فيها جميع الدول العربية تقريبًا،وذلك لدلالتها وارتباطها بمفهوم الرجولة والفروسية،وكذلك لارتباط إطلاق النار في الهواء بعدّة أعراف اجتماعية.
وبيّن أنه بعد الختان مثلًا،يُطلق النار في الهواء تعبيرًا عن الفرح،فيما كان تستعمل سابقًا البنادق خصوصًا في حفلات الزفاف لارتباط الشرف بالحياة.فإذا كانت العروس بكرًا،يطلق النار في الهواء كإعلان عن شرف الفتاة،وإذا كانت غير ذلك، يقع قتلها.وأكد بذلك أن الأجيال توارثت استعمال بنادق الصيد لا سيما في المجتمعات البدائية.
وقال إنه حتى وإن تغيرت العادات قليلًا ولم نعد نسمع أخبارًا عن مقتل امرأة ليلة زفافها مثلما يحصل في بعض الدول العربية إلى اليوم،لكن بقينا في تونس نسمع عن وفاة أحد الحاضرين نتيجة الطلفات العشوائية.وهي حوادث تكرّرت كثيرًا خلال السنوات الأخيرة،لكن يؤكد محدثنا أنه رغم فضاعتها،لا تقارن بالكوارث التي تحصل في بعض الدول العربية الأخرى وإن تبقى ظاهرة خطرة على حياة الناس.”

الحل في التوعية

هذا،وتعالت الأصوات في المجتمع بضرورة تكثيف التوعية الإعلامية، وزيادة جرعات التحذير من خطورة هذا السلوك والكوارث التي يمكن أن يتسبب في حدوثها،وكشف الحقائق بالأرقام عن الخسائر في الأرواح والممتلكات،وهذا يستوجب إلزام المعنيين من أفراد المجتمع،سواء من مالكي قاعات الأفراح والاستراحات،أو أصحاب مناسبة الفرح أنفسهم،أو العمد بالتعاون مع الجهات الأمنية في الإبلاغ عن هذه الظواهر.
يذكر أنّ القانون التونسي نظم عملية توريد الأسلحة والاتجار فيها ومسكها وحملها بموجب القانون عدد 33 لسنة 1969 الذي نصّ أنه “لا يمكن أن يرخّص بكسب السلاح أو مسكه للمحجور عليهم أو القصّر الذين لم يبلغ عمرهم عشرين سنة، أو للمحكوم عليهم من أجل جريمة تهم الحق العامّ”. ويبين أنّ هذا الحرمان يكون أبديًا بالنسبة للمحكوم عليهم من أجل جناية، فيما “يزول بعد مضي خمس سنوات من تاريخ انقضاء العقوبة بالنسبة للأشخاص المحكوم عليهم من أجل جنحة ما عدا الجنح غير القصدية”.
كما يضيف القانون أنّه “لا يمكن لكلّ من تلقى علاجًا بمستشفى الأمراض العقلية كسب أو مسك السلاح أو الذخيرة إلا إذا أدلى بشهادة من طبيب اختصاصي في الأمراض العقلية تثبت سلامة عقله”. فيما بيّن نصّ القانون أنّ “جلب الأسلحة والذخيرة دون رخصة أو من أي نقطة غير مراكز الحدود يعاقب عليها بالسجن لمدّة تتراوح بين الستة أشهر والثلاث سنوات وبخطية من 30 إلى 2000 دينار،أو بإحدى هاتين العقوبتين”. وتُعتبر وزارة الداخلية الجهة المخوّل لها قانونًا إسناد رخص بنادق الصيد.
من جانبنا،نؤكد على دور الجامعات والمساجد ووسائل الإعلام المختلفة والجمعيات ومؤسسات المجتمع المدني في مكافحة هذه الظاهرة الخطرة التي تعكس للأسف صورةً سلبية عن مجتمعنا التونسي الواعي والمتحضر،وذلك عبر نشر الوعي الثقافي من خلال عقد المحاضرات وورش العمل والتثقيف بمخاطر إطلاق الأعيرة النارية،وزيادة الوعي القانوني لدى المجتمع وبيان العقوبات الجزائية نتيجة هذه الأفعال،وذلك بنشر مخاطر ومساوئ إطلاق الأعيرة النارية في مناسباتنا الاجتماعية.

متابعة: محمد المحسن

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى