علمتني الصحافة..

كتب صالح الحاجة
من النادر جدا أن تجد من من المثقفين التونسيين من ليست له صفحته الخاصة على الـ ” فيسبوك ” …معظمهم يتعاملون ويتواصلون وينشرون ويكتبون عبر ما يسمى بـ الوسائط الاجتماعية …ولا أدري لماذا لا أحب هذه العبارة …ولماذا لا ارتاح لها …ولماذا استثقلها …لا ادري…
محمد مصمولي الأديب التونسي المعروف الذي تعامل طويلا وكثيرا مع الاذاعة والتلفزيون …وله تاريخ زاخر مع المسموع والمرئي …ولعله أكثر أديب تونسي تعامل مع الاذاعة والتلفزيون …ولعله أحد أهم من أسسوا في تونس مايسمى بالأدب الاذاعي مثله مثل محمد صالح الجابري والشاذلي زوكار ونورالدين صمود ومحي الدين خريف …وغيرهم ..
محمد مصمولي لا يتعامل مع الـ “الفيسبوك ” وعلاقته به تكاد تكون منعدمة وحتى ان وجدت فهي غير ودية ..ولا تستمر الا إلى فترة لا تتجاوز الدقائق المعدودات …
التقيت به في مقهى شعبي قرب حي الصحفيين بالغزالة بعد سنوات فرقتنا عن بعضنا فكان هو في طريق وانا في طريق ولكن حبل المودة بل المحبة والتقدير لم ينقطع …
جلسنا وحولنا ال “الكابوتشينو ”
استرجعنا الذكريات …
تذكرنا الاحباب الذين رحلوا …
حكى وحكيت …
حكينا عن غربتنا في هذا الزمان الكلب …والرديء …والوقح …وسمعت منه أكثر مما تكلمت …وكنت في بعض الاحيان اشعر بالحرج فكيف لقامة وقيمة مثل هذا الرجل أن يلقى المعاملة الخشنة …والقاسية ..وغير الكريمة …لقد قال له أحد ” حراس ” الإعلام في البلاد :
سي محمد انت محظوظ لانك لم تقبض مكافأتك منذ عام فقط فهناك من ينتظر منذ سنوات …
وقد شعرت بالحرج عندما سمعت منه هذه الشكوى …ولكنني تظاهرت بالابتسام امامه لكي لا اجرحه ولا “ازيد على ما بيه ” …وقال لي انه لم يجد لا متعة ولا لذة ولا راحة في التعامل مع الـ “فيسبوك ” ولذلك مازال يتشبث بالكتابة في الصحافة الورقية شعاره في ذلك : مكره أخاك لا بطل …ولا يعرف تماما ما ينشر في العالم ان احدهم اعلمه انه كتب عنه في الـ”فيسبوك مايسره فطلب منه ان يأتيه بنسخة ورقية مما كتب ولكنه لم يفعل وقال لي بمرارة : ” هاني مازلت نستنى ” …
وحاولت ان اقنع سي محمد بضرورة الانفتاح على هذه الاداة الجديدة التي فرضها علينا العصر وقلت له ان لا مفر من القبول بها والتعامل معها بالتي هي أحسن ولكنه لم يقتنع …ورفض ذلك رفضا قاطعا …وقال لي انه احد القلائل في العالم الذين يرفضون ” الفيسبوك ” …بل يرفضون ” الانترنيت ” ( اصلا وفصلا )…
ورفض سي محمد لمعجزة العصر مفارقة في حد ذاتها …كيف ذلك؟ …
هذا المثقف الذي كان له الريادة في التعامل مع الاذاعة والتلفزة و “طوع ” الادب للسمعي والمرئ …وساهم في اقامة جسر المودة بين المكتوب والمنطوق والمقروء والمسموع يرفض اليوم الانخراط في واقع جديد يهيمن عليه الأسلوب ” الفيس بوكي ” …انه التشبث ب ” جلباب أبي ” …او هو الوفاء للزمن الجميل …او لعله رفض لتطور فيه شيء من العدوانية وإلغاء انسانية الانسان …
وعندما قلت له : سي محمد راك مازلت شباب …ابتسم وقال لي : ألا ليت الشباب يعود يوما …ثم استدرك واضاف : الشباب شباب القلب والروح …
وانتهت قهوتنا …وانتهى اللقاء الجميل …ولكن الحديث لم ينته.وتواعدنا مع وعد بأن نمتنع في اللقاء القادم بعدم ذكر ال فيسبوك ” لا من قريب ولا من بعيد




