علمتني الصحافة..

كتب صالح الحاجة
أول جريدة اشتريتها كان ثمنها 10 مليمات فقط وكانت تتكون من 4 صفحات فقط ..
كنت اشتريها وابدأ في التهام سطورها وأنا مازلت عند بائع الجرائد…
واذكر هذا البائع جيدا ..
كان يرتدي بلوزة شخمة وقصير القامة ويضع على رأسه شاشية تعود الى العصر الحجري ..
كان هذا البائع يعرض جرائده تحت قوس باب البحر بالعاصمة..
وكنت عندما اذهب الى هذا البائع اشعر بانني اسعد مخلوق في الدنيا وكنت في سنواتي الأولى ..كالعصفور اطير طيران …ولكنني كنت فقير الحال قد لا أجد قوت يومي ..
فقير نعم …ولكن عندما يتعلق الأمر بالجرائد والمجلات والكتب أتصرف وكأنني مليونير…
ثم تدرج الثمن من 10 مليمات الى 20 م. ثم الى 25م. وهكذا الى ان تجاوز الدينار ونصف …
وتعرّفت على معظم باعة الجرائد في العاصمة ومنهم من صرنا اصدقاء ..
عم بلقاسم (ربي يرحمو) الذي كان يعرض جرائد ومجلات الشرق والغرب حذو باب عمارة الكوليزي بشارع الحبيب بورقيبة رويت قصتي معه عدة مرات ..
وعم بلقاسم رجل طيب قادم من الجريد كان يقول لي:
اه ..لو اللي شريت بيهم جرائد ومجلات دسيتهم راك شريت بيهم عمارة ..
وظللت لسنوات طويلة اتردد عليه كل مساء ولا اعود الى البيت الا ومعي زادي من الورق والحبر ..
واذكر ان احد المواطنين من سكان باب سعدون لا اعرفه اتصل بي تليفونيا وقال لي:
أنا مغرم بحسنين هيكل وقد جمعت من عدد الجمعة الذي يكتب فيه ركنه الاسبوعي الشهير ‘بصراحة’ مئات النسخ وانا اليوم في أرذل العمر اريد ان اتخلص من هذه النسخ التي لم أعد أجد لها مكانا في بيتي، وقد بحثت عن افضل طريقة فرأيت أن أحسن طريقة هي ان اهديك لك فانا اعرف شغفك بما يكتبه هيكل ..خذها مني هدية فانا احترمك
واحب ان اقرا لك ويهمني أن تنجح في مهنتك ..
ولم يحدث أن التقيت بهذا المواطن ولم اعرف حتى اسمه …
وعلى امتداد اشهر طويلة قرأت ما كتبه هيكل فازددت شغفا بكتابته واسلوبه وعبقرية تحليلاته …واظن ان الصحافة العربية عرفت (هيكل) واحد..
انه نسخة وحيدة وفريدة لم تتكرر وظلت علامة مضيئة في تاريخ الصحافة العربية..




