الصريح الثقافي

صدر حديثاً: جديد دار الشنفرى/ ‘خمْرة الروح’ للكاتب التونسي صالح الحاجّة

“خَمْرَة الرُّوح” عُنوان كِتاب جديد للكاتب التونسي الأستاذ صالح الحاجّة، صدر اليوم عن دار الشنفرى للنشر في تونس بغلاف أنيق للفنان السوري رامي شعبو. يَحْتَوي الكتاب 43 فصلاً، بعد مقدّمتين، الأولى من الكاتب التونسي الأستاذ الطاهر بوسمّة، والثانية مقدّمة الناشر هادي دانيال.

قال الأستاذ الطاهر بوسمّة في مقدمة الكتاب: “كان عَلَيَّ في هذه الورقة التي خصصْتُها للكتاب أن أغتنم الفرصة وأكشف ما عرفته عن كاتبها عبْر الأيّام وحتى قبْل أن أتشرّف باللقاء به أخيراً يوميّاً مع نخبة من الأصدقاء كلّنا من قائمة القدماء الذين يفضّلون السلامة واجترار الماضي.

فأقول كنت أعرفه مِن زمان بقراءةِ ما يكتبه عادةً بـ »الصَّباح” أو بـ الصَّدى المتفرِّعة عنها وبعدها بـ الرأي العام التي لم تُعمِّر، وحتى لما تجرّأ بعدها وأصدر الصريح الورقيّة التي بدأها أسبوعيّة وحوّلَها إلى يوميّة غطّت ما كان القرّاء بحاجة إليه.

كان صحفيّاً عصاميّاً منفرداً لم يُصنَّف في خانةٍ ما، لأنّه بأسلوبه وقلمه كان في أغلب القضايا الجوهريّة موضوعيّاً ومُحايداً بقَدْر المُستطاع.

لقد عمَّرَتْ تلك الجريدة لأكثر من عقد من الزمن ولم تستسلم للإغراءات واتخذتْ لها خطّاً وَسَطيّا متوازناً وفتحت صفحاتها للكتّاب بل أضافت للساحة أقلاماً لم يتيسَّر لأصحابها الدخول في ذلك الشأن الذي كان حكْراً على الأقلام التي تزعم وحدها أنّ لها شأناً والبعض منها كان خادماً للسلطان.

لقد عرف المُتحدَّث عنه الآن قدْرَه وجلس دونه ولم يَدَّعِ البطولة، لكنّه لم يستسلم لأوامر أيٍّ كان مُلتزِماً بالسَّير بين الأشواك، وكم تعرَّض للضغوط وقطْع الأرزاق، ولكنّه حافظ على الخطّ الذي اتّخذه بدون “شوشرة” أو إذلال.”

تجربة عريقة

أمّا مقدمة الناشر هادي دانيال فإضافة إلى سردها حكاية تتعلق بنشر هذا الكتاب، فقد حاولت تقديم أبرز ملامح تجربة الكاتب صالح الحاجّة، ذلك أنّه إضَافَة إلى تَجْرِبَتِه العَرِيقة والمُتواصِلَة في الصّحافة التّونسية والعَرَبيّة، كِتابَةً وإدارَةً، أصْدَرَ عدّةَ كُتُب، تَضمَّنَ بعضُها مَقالات صحَفيّة مثل كتابه “سَنَة أُولى بِطاقَة” ولكنّ بَعْضَها الآخَر كان نُصُوصاً مَسْرَحيّة كَكِتابِه “الكرْسي” ونُصوصاً سَرْديّة كَرِوايَتِه “حَرْقة إلى الطّلْيان” وبعضها حِكايات كَكِتابِه “20 تَمْرة جريديّة” فضْلاً عن سِيْرَتِه الصّحفيّة التي سَرَدَها بِكِتابِه “لَعْنَة الصّحافة”، وصولا إلى كتابه الجديد “خمرة الروح”، الذي توقف عنده الناشر قائلاً:

“..إذا كانَ كِتابا “حَرْقة إلى الطّلْيان” و “لَعْنَة الصّحافة” قد عَكَسا بَعْضاً مِن مُعاناة الكاتِب ومُغامراتِه لِكَسْب لُقْمَةِ العَيْش ومُوَاجَهة الفَرْد للتّحدّياتِ الوُجُودِيّة أو لِتَأكِيدِ الذّاتِ وتَلْبِيَةِ نداءاتِ الشَّغَفِ بِمِهْنةِ الصّحافة، فإنّ الكِتاب الذي بين يَدَيّ الآن، وبِأيْدِي القُرّاءِ بَعْدَ تَرَجُّلِه عن آلاتِ الطّباعة وصُعُودِهِ إلى رفوف المَكْتبَات، يَعْكِسُ جانِباً آخَر مِن سِيرَةِ الكاتِب، هُوَ الجانِب الرُّوحي.

الإنسانُ الأعْزَل

فَخِلال الظّلْم والقَهْر الذي كابَدَ مِن وَطْأتِهِما، تَفتَّح وعْيُ صالح الحاجّة الفتى مُتسائلاً عن العَدالَةِ الكَوْنيّة التي يُفْتَرَضُ بِخَالِقِ الكَوْنِ أنْ يُشيعَها بين البَشَر. فالإنسانُ الأعْزَل المَتْرُوكُ تَتَقاَذَفُهُ عَواصِفُ الفَقْرِ والظّلْمِ والافْتِراءِ والقَهْرِ والخذْلان، ولأنّه لم يَجِدْ إجاباتٍ شَافِيَةً على أسئلتِه الحارِقَة في المَرجعيّة الدّينيّة لِمُجْتَمَعِه، أو في الفتاوي الدِّينِيّة التي تُشَرِّعُ المُمارَسات غيْر الإنْسانيّة أو غيْر العادِلَة لهذا المُجْتَمَعِ الذي لم يَكُن رؤوفاً بِصَالح الحاجّة وبِأمِّه، انْدَفَعَ الفتى بَحْثاً عن خَلاصٍ رُوحِيٍّ إلى تَجلّياتٍ أفْضَل لِخَالِقِ الكون في دين آخَر “فكاد أن يكون مسيحيّاً”. ولأنّ الخَمْرَ والمُسَكّنات التي قد يَتَناوَلُها الجَسَدُ لم تكن مُجْدِيًة لإطْفاءِ أسئلةِ العَقْلِ والقلْبِ، أو لِتَحَمُّل بَشَاعَةِ هذا الواقع المَرِيضِ والفَاسِدِ والقَاهِر، وَجَدَ الكاتِبُ ضَالّتَه النّاجِعَةَ في “خَمْرَةِ الرُّوح” التي يَتَنَاوَلُ كُؤوسَها النّورانِيّةَ مِن علاقةٍ خَاصّةٍ بالخالِق، فَيُسائلُه ويسأله تارةً ويُعاتِبُه ويَلومُه تارَةً أخرى، ثمّ يَدْعُوهُ ويُناجِيهِ ويَسْتَغْفِرُهُ تاراتٍ.

بين الشّكِّ واليَقِينِ

لم تَكُن هذه الرّحْلة بين الشّكِّ واليَقِينِ المَحْفُوفةُ بأسْئلةٍ عن العدالة الإلهيّة في ظلِّ الغِيابِ الصّارخِ للعَدَالةِ البَشَرِيّةِ، وبَيْنَ اليأسِ الذي يُكرِّسُه الواقِعُ العُدْوَانِيُّ الذي يَفُورُ بالأفرادِ والجماعاتِ والكِياناتِ المُتَوَحِّشَةِ المُفتَرِسَةِ مِن حوْلِنا والأمَل بإرادةٍ إلهيّةٍ تُخْرِجُنا مِن عَصْرِ الظّلمات الذي يَسودُه الظّلْمُ والقَتْلُ والتّدمِيرُ بلا رَادِعٍ قانونيٍّ وَضْعِيٍّ وبِتَذَرُّعٍ أحْمَق بِشَرائع دِينِيّة مَزْعُومة، بَدْءاً مِن مُعاناة طفولة الكاتِبِ في نِهاياتِ النّصْف الأوّل مِن القرْن المُنْصَرِم وُصُولاً إلى مُعاناةِ أطفالِ غزّةَ في نِهاياتِ الرّبْع الأوّل مِن القَرْن الحالي، لم تكُن هذه الرّحلة فقط هِي موضوع هذا الكِتاب، بل إنّ الأفْكارَ والسّرْدِيّات المُسْتَنِيرَة والمُنِيرَة، أفْكارَ العَدْلِ والاعْتِدالِ والمَحَبّةِ في مُواجَهَةِ وَلِتَفْنِيدِ أيديولوجيا الإقْصاءِ والتَّطَرُّفِ والكَرَاهِيَةِ، والتّوظِيفَ العدوانيَّ التَّضْلِيلِيَّ للدِّينِ بِتَأوِيلاتٍ يُمكِنُنا تَوْصِيفها بالحَمْقاءِ والمَشْبُوهَةِ، هي مَوْضُوعُه الأهمّ. وبالتّالي يَكْتَسِبُ هذا الكِتابُ قِيمةً مُضَافَةً مِن كَوْنِهِ يَصْدُرُ عن شَخْصِيّةٍ عامّة لَعبَتْ وَتْلْعَبُ دَوْراً هَامّاً بِتَكْوِينِ الرّأيِ العَامّ في بِلادِه مُنْذُ سِتّين عاماً، وهذا دافِعٌ أصِيلٌ لِنَشْرِنا هذا الكِتاب واقْتِراحِهِ على القُرّاء.”

يقع كتاب “خمرة الروح” في 148صفحة، قياس 15/21سم، وقريبا سيكون متوفرا على رفوف المكتبات بالعاصمة التونسية بثمن 20دينارا تونسيا للنسخة الواحدة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى