الصحافة الثقافية: بين ضمير النقد وزيف البهرج..


كتب: عز الدين الباجي
في عالم الثقافة، حيث تتلاقى الأفكار وتتقاطع الرؤى، تُفترض بالصحافة الثقافية أن تكون البوصلة التي ترشد المتلقي إلى فهم أعمق، والمرآة التي تعكس صورة صادقة وحية للواقع الثقافي. لم تكن يومًا مجرد ناقل للأخبار أو مستعرض للأحداث، بل كان من المفترض أن تكون صوت الضمير الناقد، والمحفز على الحوار، والراصد الحي لصيرورة الثقافة في مجتمعنا.
أسيرة الأضواء الزائفة
لكن اليوم، تبدو الصحافة الثقافية وكأنها أسيرة الأضواء الزائفة، تأخذ دور الدمية التي تُحرّكها إدارة المهرجانات والتظاهرات الثقافية. تختزل تقاريرها في سرد حفلات اللا معنى، وتلمّع سياسات لا تتجاوز حدود البهرجة. كيف لا، ومقالات العروض الفنية جهزتها الإدارة، ولا ينقصها إلا النشر باسم ذلك الصحفي “الثقافي” الذي لا دور لعقله سوى التماهي، في انتظار مكافأة بسيطة: بطاقة دعوة أو بطاقة عبور للعروض الفنية، تكافئ بها ولاءه وولعه بالظهور بدلًا من النقد.

رسالة ومضمون
ولنا في بعض الأقلام التي واكبتني وواكبتها في دروب الصحافة الثقافية خير شاهد، كانت فيها الصحافة الثقافية تحمل رسالة ومضمونًا، مثل الصحفي والناقد خالد الطبربي، وكذلك حسن بن أحمد، والهادي السنوسي، وشكري الباصومي، والمرحوم عبد المجيد الساحلي، ومحمد الماطري صميدة، وريم شاكر، وقيس بن مراد، ونجيب الخويلدي، وقصي طراد، وريم ڨيدوز، حافظ الشتيوي وصلاح الڨريشي ومحمد مومن، لطفي العربي السنوسي وعبد الجليل السمراني، وسمير الوافي… هؤلاء كانوا مهتمين بالشأن الثقافي حقًا، يضعون الأمور في نصابها، يقولون للمحسن “أحسنت” وللمسيء “أسأت”، وكانوا أصحاب رأي، لا يبيعون الكلمة ولا يتنازلون عن الموقف، رغم أن بعضهم خضع – نوعًا ما – لبعض المغريات التي توفرها الإدارة الثقافية الرسمية من مال الشعب.
في قلب المأساة
إنها مأساة حين تغدو الصحافة مسرحًا للعرض وليس مساحة للنقاش، حين تتحول الأقلام إلى مرايا تعكس الزيف بدل كشفه، وحين تُغلق الأبواب على الحقيقة بحجة الحفاظ على العلاقات. في هذه اللحظة، لا يُفترض أن يكون للصحافة دور إلا أن تُسكت أو تُزيّن الواقع، ليبقى الفضاء الثقافي مقيدًا في بوتقة صمت مريب.
ولكن الصحافة الثقافية الحقيقية، هي النور الذي يكشف عتمات الجهل والازدواجية، هي الصوت الذي يتحدى القوالب المُغلقة، ويعيد للحوار نَبضه وحيويته. هي القلم الذي لا يخشى الانكسار، ويُمارس دوره بحرية وشجاعة، ليبني مجتمعًا ثقافيًا واعيًا قادرًا على النقد والتجديد.
حين يغيب هذا الصوت، يكون المجتمع قد خسر مرآته، وتبددت ثقافته في وهج الأضواء الزائفة وحفلات اللا معنى.
إن الصحافة الثقافية، في جوهرها، ليست مجرد نقل للأحداث ولا منصة للتهليل والترفيه. إنها رقيب المجتمع الثقافي، العين الساهرة التي لا تغمض، والقلم الصادق الذي لا يخضع للمصالح الشخصية أو الإغراءات الزائفة.
علينا الاختيار
لذا، على كل صحفي ثقافي أن يختار موقفه: هل يكون جزءًا من دائرة التمجيد والتهليل للحصول على بطاقة حضور لعرض فني، أم يكون الصوت الذي يكسر صمت التواطؤ، ويُعيد للثقافة نبضها الحقيقي؟
إنها لحظة اختبار، تتطلب شجاعة التحرير والصدق مع الذات والآخرين، لتصير الصحافة الحقيقية جسراً يبني وعيًا وثقافة لا تُباع ولا تُشترى.
الصحافة الثقافية ليست مجرد وظيفة أو مهنة، بل هي رسالة وأمانة. أمانة نقل الحقيقة دون تزويق، ونقد الواقع دون مواربة، وحماية الثقافة من الانزلاق نحو اللا معنى.




