ومضات من تاريخ مدينة تونس/ انحرافات التهذيب العمراني: باب سويقة نموذجا


كتب: عيسى البكوش
منذ سالف الأزمان يسعى الحكام أن يتركوا بصمات فوق الأرض ولنا في التاريخ الحديث عديد الأمثلة ومنهم على سبيل الذكر نابليون الثالث (1804-1873) الذي هيّأ بواسطة واليه هوسمان (1809-1870) باريس الحديثة…
وشاوشيسكو (1918-1989) الذي أقدم بشكل تعسّفي على صياغة الحي الإداري في بوخارست عاصمة رومانيا وهوفوات بوانيي (1905-1993) الذي ابنتى عاصمة الكوت ديفوار الحديثة ياموسوكرو بفضل المهندس التونسي أوليفيي كليمون كاكوب (1920-2008)، هذا المهندس هو نفسه الذي سيجعل منه الرئيس الحبيب بورقيبة مستشارا له في مجال المعمار والتعمير أو بالأحرى تهذيب العمران…
قصر الجمهورية في قرطاج
فبعد تشييده لقصر الجمهورية بقرطاج على أنقاض مقر الكاتب العام الفرنسي للحكومة تحت إشراف ‘الماجدة’ وسيلة بنفسها حسبما يرويه المنعّم الشاذلي القليبي في كتابه ” Habib Bourguiba Radioscopie d’un règne ” الصادر عن دار Déméter عام 2012: ‘كانت تتفقد يوميا الحضيرة صحبة المهندس كاكوبن وكانت تتحدث مع كلّ أصحاب المهن الذين يشتغلون هناك وهي ميّالة إلى الأنماط التقليدية ولها ذائقة متأكدة ” ص97.
بعد ذلك أنجز هذا المهندس قصر المرمر بصقانس في نهاية سنة 1962 في مدينة المنستير التي صال قلمه فيها وجالت من بعد المعاول لغاية تهذيب محيط الرباط وإنشاء مراكز الثقل الجديدة بما فيها مسجد الحبيب بورقيبة ومقبرة آل بورقيبة…
هدم المدينة العتيقة!
ثمّ وتزامنا مع إنجازات أخرى مثل المحطة السياحية بالقنطاوي وهي من مفاخر الرجل تعلقت همة الرئيس بورقيبة بإحداث ‘رجّات’ في مدينة تونس فكان في البدء المشروع ‘الجنوني’ والمتمثل في إنجاز وصلة من القصبة إلى البحيرة وهو ما كان يتطلب هدم جزء من أسواق المدينة العتيقة بفتح نهجي القصبة وجامع الزيتونة على بعضهما.
جاء في كتاب ‘الزعامة الهادئة’ للمنعم الباهي الأدغم الصادر عن دار نيرفانا عام 2019 ص 613 : ” أعلن الرئيس أنّ مكتبه في قصر الحكومة سيصبح مُشرفا على باب البحر فقلت له: كيف ذلك ومكتبك يُشرف على المدينة العتيقة؟ فقال: سيتمّ هدمها، هذا ما قاله كاكوب لوسيلة وسنُحضره في الغد.
وفي اليوم الموالي حضر كاكوب وهو يهودي من أصل تونسي تحصّل على جائزة روما في الهندسة المعمارية فوافق على كلّ ما طلبه منه الرئيس أي هدم ربع المدينة العتيقة”. ويضيف سي الباهي: ” ففكرت في استدعاء برنار زيرفوس (1911-1996) الأمين العام للأكاديمية الفرنسية للفنون المعمارية وهو معروف بقدرته واستقامته وتقابلنا مع الرئيس فقال له: ” يا فخامة الرئيس ما تريد أن تحقّقه شيء جميل ولكنّك ستقضي على قرون من التاريخ، فسكت الرئيس فجأة ثمّ قال: طيّب سأنظر في الموضوع”.
وقد تحرّكت آنذاك همم أقلام المولعين بالتراث فندّدت واستنكرت وكان نتاج ذلك إنشاء جمعية صيانة المدينة من طرف شيخ المدينة المنعّم حسيب بن عمّار والتي بفضل نضال أفرادها أمكن وأد ‘المشروع’.
مشروع باب سويقة
ولكنّ الرئيس ومستشاره يعيدان الكرّة في أحد ربضي المدينة: باب سويقة القلب النابض منذ أن حلّ بها محرز بن خلف “السلطان” في القرن الحادي عشر.
كتبت ذات مرّة في ‘شذرات’ عن ساحة باب سويقة: ‘هي فضاء حميمي ملأ حياتنا الرمضانية لعقود خلت: قاعات الفتح وقرطبة والكافيشانطات وهي عبارة إفرنجية وقعت تونستها حيث كانت تنطلق منها الأنغام فتتحوّل إلى ذبذبات تملأ أسماعنا.
باب سويقة حيث “مقهى خالي علي” المشهورة بمقهى جماعة تحت السور وهم: علي الدوعاجي ورفاقه الاثنا عشر: عبد الرزاق كرباكة وعبد العزيز العروي ومصطفى خريّف والهادي العبيدي وعلي الجندوبي ومحمود بيرم التونسي، جلال الدين النقاش ومحمد بن فضيلة ومحمود بورقيبة وأحمد خير الدين ومحمد العريبي والهادي الجويني ومحمد بدرة.
باب سويقة عرين الترجي شيخ الأندية الرياضية.
باب سويقة ينبوع للحنين لا ينضب.
إذن شهد هذا الحيّ – لا أدري إن بقيت هذه الكلمة في محلها- في بداية ثمانينات القرن الماضي عملية التهذيب العمراني فاقتلعت مباني ومن أجلّها مركز البريد الفريد في معماره به برج على شاكلة مئذنة والذي صاغه المهندس المعماري Rafael Guy (1869/1918) في عام 1912 وقد كان من قبلُ صمّم بناية المعهد العلوي ومعهد باستور، وهدمت قهاوي و”صالات” ولولا بعض البناءات التي صاغها المهندس طارق بن ميلاد لأصبحت الساحة قاعا صفصفا وخاصة أنها حرّمت على أصحاب السيارات الذين وقع إنزالهم إلى النفق ذي المداخل البائسة بحسب عبارة الباحث في العمران “Serge Santelli” في كتابه عن مدينة تونس الصادر في باريس عام 1995 ص 103:
« Le caractère misérable des entrées et sorties du souterrain justifient à lui seul la condamnation de ce projet »
كان الرئيس بورقيبة حريصا أشدّ الحرص على إتمام التهذيب وكان يتحوّل بكثرة على عين المكان صحبة مستشاره فهل كان حقّا مقتنعا بما آلت إليه هذه المغامرة؟
في المحصّلة فإنّ هذه العملية تشبه إلى حدّ كبير ما سُمّي بالتهذيب الموسيقي الذي سعى إليه بعض فنانينا في بداية الاستقلال بإدخال الهارموني إلى التراث المغنّى، خذ مثلا “بخنوق بنت المحاميد عيشه” ، فكانت النتيجة أنغاما … بلا روح.




