عيسى البكوش يكتب/ ومضات من تاريخ مدينة تونس: عندما كان بـ’الباساج’ مسرحان: بن كاملة أوّلا ثمّ بن سلامة


كتب: عيسى البكوش
بعد قرابة السبعين عاما من الاستقلال ما زالت بعض المواقع تحافظ على تسميتها الإفرنجية: ميتيال فيل، البلفدير، لافايات والباساج نموذجا، ولكنها بالمقابل تخلت عن بعض لآلئها من مبان وما حوت من أنشطة ثقافية واجتماعية وترفيهية.
تاريخ الباساج
“الباساج” هو كما يدل على اسمه فضاء للمرور إذ أنه يحيط بمحطة الأرتال القادمة والذاهبة من وإلى المرسى. توقفت الأرتال منذ الستينيات ولكن المحطة أعيد إشغالها في الثمانينات عند إنجاز المترو الخفيف وحملت اسم الجمهورية، ولكن “الباساج” باق في الذاكرة.
فهو حي كانت تقطنه الطائفة اليهودية بجوار مقبرتها التي تم نقلها إلى ‘بورجل’ لتفسح المجال إلى حديقة الحبيب ثامر وهو في الأصل يشكّل إحدى التقاطعات التي خطها المهندس البلدي Mouillot سنة 1904 على درب يصل بين شارع قرطاج وساحة باستور.
مدينة تونس ‘الجديدة’
والمعلوم أن المدينة الجديدة الأخت غير الشقيقة للمدينة العتيقة وقع تخطيطها منذ سنة 1890 حسب خطين متقاطعين غرب ـ شرق وجنوب ـ شمال يربط الأوّل باب البحر بالبحيرة والثاني بين هضبة الجلاز وهضبة البلفدير.
في هذا التقاطع بين شوارع باريس ولندرة وروسطان (حاليا الحبيب ثامر) اختار أحد المهووسين بالفن تشييد مسرح وتوابعه من محلات ترفيهية وأكل، ولقد ارتأى أنّ هذا الموقع مناسب لجلب انتباه المسافرين والقادمين من ونحو المحطة.
مسرح علي بن كاملة
هو علي بن كاملة (1872-1935) أصيل قصور الساف بالساحل التونسي ووالد عمران عازف الكمان المتميز بالرشيدية عند تأسيسها، وقد أقدم سنة 1914 على فتح “مقهى – سينما” بنهج القصبة ثم كمثل الذين يتوسعون بفضل دربتهم في مجالهم تجرّأ على استغلال قاعة Omnia الموجودة في زاوية نهجي أميلكار وهانون وهي أوّل قاعة سينما في تونس وقع تشييدها عام 1908 ولقد تمّ فيها عرض فيلم Maarouf le savetier للسيناريست الطيب بلخيرية سنة 1921 وقد صوّر في تونس.
ثم تراءى له أن يستغلّ “دكانه” بنهج القراميد ويحوّلها إلى قاعة سينما ولكن ما كل مرّة تسلم الجرة إذ أنّ عند أحد العروض يسقط جزء من القاعة مما ينجر عنه موت 16 من المشاهدين من الأطفال ولكنه يعيد الكرّة عام 1922 بما هو أفضل فيؤسّس مسرحا خاصا فيما صار اليوم مستودعا للسيارات.
هذا المسرح الذي أتى على وصفه مؤرّخ تلك الفترة المنعّم عبد العزيز العروي (1898-1971) في جريدة Le petit matin حيث ذكر كلّ نجوم الفن الذين تألقوا على المسرح الكاملي كما يسميه هو، ومن أشهرهم حبيبة مسيكة (1903-1930) وفضيلة ختمي (1900-1992) كما أنّ عددا من الممثلين مرّوا من هذا الفضاء مثل المنعّم حمدة بن التيجاني (1905-1983) الذي قام سنة 1926 ببطولة مسرحية غانية الأندلس من تأليف جورجي زيدان.
ولقد استعان بالأديب عبد الرزاق كرباكة (1901-1945) كمدير فني للفرقة الكاملة، ثمّ عند انسحابه بالفنان أحمد بوليمان (1886-1976) الذي التحق بالفرقة مع الطاهر بالحاج (1918-1959) والبشر الرحّال (1906-1979) والحبيب المانع (1884-1952) وحسن بنّان (1885-1960) الذين انسلخوا من فرقة التمثيل العربي التي تأسّست سنة 1922 والتي كان بروزها نتاج اندماج فرقتي الآداب والشهامة التي يعود تأسيسها إلى سنة 1911.
كما أنّ أحمد بوليمان الذي يعدّ التونسي الأوّل الذي صعد على الركح سنة 1908 هو الذي كان يصنع الديكور ويوضّب الملابس.
جاء في كتاب الصديق علي بن العربي “سياسات الثقافة التي نريد” الصادر عام 2017 عن دار سحر والمتعلق بتاريخ المسرح في تونس: ” كان علي بن كاملة يوفر مرتبات شهرية للممثلين مؤسّسا بهذه الطريقة أوّل تجربة احتراف مسرحي في تونس، كما أنه تخصّص في فنّ الأوبرا حيث جلب أوركسترا من فرنسا لتدريب الممثلين عند العروض، وقد أثمرت هذه العملية أوبرات “عايدة” وأوبرات “روميو وجوليات”، وقد شاهد الباي محمد الحبيب (1858-1929) هذه الأعمال.
المسرح الجديد
ولكن مرّة أخرى وأخيرة هذه المرّة يرمي بن كاملة المنديل نظرا للوضع المالي المتردّي الذي أضحى عليه المسرح و يلتجئ إلى بيع عقاره عام 1928 ثمّ يأتي من بعده صهره علي بن سلامة ليقتني أرضا مجاورة ويشيّد فوقها مسرحا، ويقع افتتاح هذا الفضاء مساء السبت 9 جويلية 1932 بحفل للفنانة فضيلة ختمي.
ومن الغد كتب العروي في جريدة Le petit matin : “لقد غصّت القاعة بالحاضرين الذي انتشوا لمدّة ثلاث ساعات وهم يستمعون إلى “فنّانة الفنانين”.
ويضيف: ” إننا نتوقع مستقبلا زاهرا لهذا المسرح ونشكر لصاحبه هذا السعي في سدّ فراغ في المشهد الثقافي”.
كما أنّ العروي يروي في عدد 13 سبتمبر من السنة نفسها وقائع الحفل الذي أحيته في ذات المسرح الفنانة شافية رشدي (1910-1989) التي يلقبها بأمّ كلثوم تونس، وهو يقول أنّ القاعة ضاقت بما رحبت وأنّ عددا من مريدي شافية لم يتمكنوا من الولوج وكان في الصفوف الأولى للمشاهدين عدد من الأعيان من أصحاب “الشاشية المجيدي”.
الشاشية المجيدي: من ذا الذي يحملها اليوم؟ لقد غابت عن الأنظار مثلما غاب مسرح بن سلامة، ثمّ غابت قاعة السينما L’ écran، في هذا التقاطع الذي بقي يتصدّره نزل Ritz بالشكل المعماري الفريد.
نسأل الله أن يعمّر هذا ” الناجي” من معاول “التحديث” لكي يكون شاهدا للأجيال القادمة على طبيعة العمران والمعمار في “الباساج” في بدايات القرن العشرين.




