جهات

هنا تطاوين: القصور الصحراوية..كنوز فريدة تعانق التاريخ..وتصارع الجغرافيا

تتميز القصور الصحراوية في جهة تطاوين بجمالية معمارية فريدة تعكس قدرة الإنسان على التكيف مع البيئة الصحراوية القاسية، كما تُجسد تراثًا ثقافيًا غنيًا يمزج بين التاريخ والهندسة والفنون المحلية.

هذه الجماليات تجعل قصور تطاوين تحفًا معمارية لا تُضاهى،حيث تلتقي البراعة الهندسية بالتاريخ والطبيعة في لوحة صحراوية أخّاذة.

صامدة منذ 900 عام…

ورغم مرور أكثر من 900 سنة على تشييدها، ما زالت قصور جهة تطاوين التي يصل عددها إلى حوالي 150، صامدة ومتربعة على الرمال التونسية،مبرزة تفرّد معمارها وهندستها،وشاهدة على ميلاد الحضارة والحياة
لتمثل تاريخ أهالي تطاوين، كما أنها في الأصل مجرد قلاع بسيطة البناء كانت قد لعبت دوراً أساسياً في استمرار وجود قبائل المنطقة،حيث أدت وظائف أمنية واقتصادية واجتماعية تعتبر مهمة في مجتمع “شبه زراعي رعوي”ومتنوع.

وإذا كانت بعض المدن الساحلية التونسية، اكتسبت مقوماتها الحضارية ودعاماتها الاقتصادية والسياحية من وجودها على السواحل أو من امتداد سهولها الخصبة،فإن زائر مدينة تطاوين الواقعة أقصى الجنوب الشرقي،لا يمكن أن يمر مرور الكرام على “القصور” التي صمدت في الصحراء-كما أشرنا-أكثر من 9 قرون منذ تشييدها في أواسط القرن الحادي عشر الميلادي.

معلقة بين السماء والأرض

هذه القصور الصامدة على تخوم الوطن تنقسم إلى نوعين: حيث نجد “القصور” الموجودة في المناطق الجبلية مثل قرية “شنني” وقرية “دويرات” و”قرماسة”،وهي “قصور جبلية”،ميزة هذه القصور أنها تقع في قمم الجبال وتطوقها منازل سكان معمرة كامل الجبل،فيخال للزائر أن هذه القرى معلقة بين السماء والأرض،إذ تعانق السحاب بشموخ فهي ثابتة وراسخة في محيطها رسوخ أشجار التين والزيتون التي تحيط بهذه القرى باعتبار أن سكانها يمتهنون زراعة الزياتين منذ أن استقروا في هذه الربوع.
أما النوع الثاني فهي القصور الموجودة في السهول وهي عديدة وأكثر قربًا للمناطق الصحراوية،ولذلك تصح تسميتها بالقصور الصحراوية أكثر من نظيرتها الجبلية،لكنهما يلتقيان في تسمية الشكل المعماري أي “القصر”، لكن التضاريس فرقت بينهما في التوصيف بين الجبلي والصحراوي وحتى من ناحية التركيبة السكانية.

ماذا داخل القصور؟

تتجلى وظيفة “القصر” الذي يتكون من عدة غرف قد تصل لقرابة 300 غرفة، فهو مخزن المحاصيل الزراعية مثل زيت الزيتون والقمح والشعير وغيرها،إذًا فالقصر هو “مخزن” أو “مستودع” للقبائل وللعائلات،لذلك فإن حتى عملية بناء القصر تكون عملية جماعية وتطوعية وتستخدم في عملية البناء “الجبس” المتوفر بكثرة بهذه المنطقة وكذلك الحجارة وتستخدم أشجار النخيل لصناعة الأسقف والأبواب.
هذا،وقادت التغيرات الاجتماعية والاقتصادية التي طرأت على المنطقة( تطاوين)إلى تحويل وظيفة القصر من مجرد مخزن غذائي إلى موقع أثري يساهم في تطوير القطاع السياحي.فبعد الاستقلال (1956)،توجهت الدولة التونسية إلى التركيز على القطاع السياحي كإحدى الرافعات التنموية للبلاد،وعممت سياسة استغلال الإمكانات المحلية،الأثرية والمناخية والطبيعية،لمختلف الجهات.

شهرة عالمية واسعة

في هذا السياق،تم استثمار القصور في السياحة الصحراوية،فرُمّمت العشرات منها واستُحدث مهرجان دولي
(المهرجان الدولي للقصور الصحراوية) يحتفي بها يقام خلال الربيع.بل إن بعضها قد تحول إلى استوديوهات تصوير لأفلام عالمية،لعل أشهرها الجزء الأول من فيلم حرب النجوم Star Wars للمخرج الأمريكي جورج لوكاس George Lucas الذي جرى تصويره سنة 1997 في قصر الحدادة،الذي بُني أواخر القرن التاسع عشر،وقد حققت جهة تطاوين من وراء ذلك شهرة واسعة جعلت منها قبلة لآلاف السياح كل عام،خاصةً بعد أن حولت السلطات الجهوية مكان تصوير الفيلم إلى مزار،محافظةً عليه كما تركته الشركة المنتجة.

تصارع الزمان والمكان

لقد اكتسبت القصور اليوم وظائف سياحية تسمح بالتعرف على تاريخ شعوب هذه الربوع الصحراوية وآثارهم الشامخة وروحها الضاربة في القدم وتكشف عن نمط معيشة أهلها، باعتبارها كنزاً تاريخياً فريداً يحق لنا أن نتعرف عليه ونطّلع على قوة وحضارة تلك الفترات التي عمر فيها أجدادنا الأرض وعاشوا في أمن وسلام قروناً مديدة،وهو جزء بسيط من تاريخهم المجيد الشامخ على الأرض في أعماق الصحراء الهادئة.
وهي(القصور) تقف-اليوم-على ناصية التاريخ تصارع الزمان والمكان في شموخ وتحيي أمجاد الغابرين وتصد رمال الصحراء، لتكن شاهدةً على حكايات مرت ولن تزول من ذاكرة شعب صمد صمود المحاربين،يجب أن تأخذ نصيبها من الاهتمام باعتبارها إرثًا بشريًا وحضاريًا.

متابعة: محمد المحسن

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى