صالون الصريح

نوفل سلامة يكتب: في إصلاح الدولة ومعركة الأولويات..

slama
كتب: نوفل سلامة

دأب الحديث حينما نتناول موضوع الإصلاح وقضية التغيير أن يتركز النقاش والتحليل على إشكالية إصلاح المجتمع وتطوير سلوك أفراده، والتعرض إلى الاخلالات التي تعرفها المجموعة البشرية في علاقة بالمعايير الأخلاقية والسلوكية ومنظومة القيم والمبادئ التي يقوم عليها المجتمع ويجعل منه مجتمعا متطورا متمدنا ومتقدما…

تحوّلات كبرى

غير أن الحديث هذه المرة وفي هذا السياق الذي نعيشه وهو سياق التحولات الكبرى التي يعرفها عالمنا وانسحبت على بلادنا وسياق المراجعات التي فرضها المخاض التاريخي الذي تعرفه البشرية، وهو مخاض تأثرنا به وخاصة فيما يتصل بالفكر السياسي والمجال الاقتصادي وقضايا التنمية والموقف من الأفكار والخيارات الكبرى التي حكمت الدول والشعوب وكل التراجع عن مكتسبات الحداثة ودولة الحداثة ومساءلة قيّمها وأفكارها التي حكمت ولا تزال البشرية في علاقة بتراجع الأيديولوجيات الكبرى…

وبما يعرفه الفكر الفلسفي والفكر السياسي والاقتصادي من نقاش حول صحته وجدواه وانسانيته وحول مدى التزامه بما رسمه من قيم عالمية كونية تم الترويج لها على أنها أفضل ما وصل إليه العقل الغربي في راهنيته لقيادة المجتمعات وإسعادها والذهاب بها نحو غد أفضل.

فكرة إصلاح الدولة

في هذا السياق من التحولات والمراجعات الكبرى انتقل الحديث من ضرورة إصلاح المجتمع إلى أولوية إصلاح الدولة والجهاز السياسي الذي يحكم الشعوب ويعيش الأفراد في ظله، والفكرة الأساسية التي يقوم عليها هذا التصور تعتبر أنه لا قيمة للحديث عن إصلاح الفرد والمجتمع من دون الحديث عن إصلاح للدولة كما أنه لإصلاح الإنسان لا بد من إصلاح الدولة وأن يسبق كل إصلاح إصلاح للجهاز الذي يدير كل شيء، واتفق الناس في عقد اجتماعي على أن يهيمن عليهم جهاز اتفقوا على تسميته بالدولة و قبلوا بالتدخل في حياتهم بعد أن تخلوا عن جزء من حرياتهم الشخصية لصالح النظام العام والإنضباط وطاعة القوانين…

بين المجتمع والدولة

وإلى جانب هذه الفكرة هناك فكرة أخرى لتأسيس النقاش حول أولوية إصلاح الدولة تقول أنه لا فائدة من الحديث عن إصلاح المجتمع ولا قيمة من التجنّد لمقاومة كل أشكال الفساد فيه والذي يعيق التطور والتقدم من دون أن يسبقه إصلاح هام في الدولة، ولا معنى للحديث عن ضرورة إصلاح المجتمع وتقويم سلوك أفراده من دون أن تعطي الأولوية لإصلاح الدولة وأجهزتها خاصة بعد أن تأكد وجود الفساد في الأجهزة الرسمية…

بما يعني أن التفكير الجديد اليوم بات يعطي الاهتمام الأول والأساسي في عملية الإصلاح إلى إصلاح الدولة لإعطاء المثل في نظافة اليد والاستقامة وتقديم القدوة التي يُحتذى بها، فحينما يقوم اعوجاج عود الدولة ويستقيم حالها وينتظم ما بداخلها من أوساخ وأدران عندها ينخرط المجتمع وينسجم أفراده في مسار التغيير والإصلاح الحقيقيين…

من أين نبدأ؟

إذا تقرر أن إصلاح الدولة يسبق في الزمن إصلاح المجتمع وإذا حول المفكرون والنخبة المثقفة اهتماماتهم إلى عملية إصلاح جهاز الدولة، فإن السؤال الذي يطرح السؤال هو من أين نبدأ مع هذا الإصلاح؟ وما هي أولوياته المطلوبة؟
قُدِمت إجابات حول هذا السؤال تقول أنه لا يمكن إصلاح الدولة بنفس العناصر التي ساهمت في فساد أجهزتها وأنه لكي نصلح الدولة نحتاج إلى بناء جديد ونشأة جديدة وتهيئة الأرضية الصلبة كي ينجح الإصلاح ومن هذه المقدمات الضرورية تنقية النفوس من رواسب الفساد والعقلية التي تعمل على المحافظة على مراكزها ونفوذها ومصالحها والعقلية الرافضة للتغيير والمانعة من تحقق الإصلاح، ذلك أنه في كل تجارب الإصلاح توجد قوى في الداخل تعمل بكل جهدها لعرقلة المسار الجديد لذلك كانت تهيئة الأرضية الداخلية وإعداد الفريق الذي سوف يقود عملية إصلاح الدولة من الداخل بمثابة أم المعارك وأهم معركة في هذا التصوّر.

الإيمان بفكرة الإصلاح

من المقدمات الأخرى أنه لكي ينجح إصلاح الدولة وأجهزتها كمقدمة لإصلاح المجتمع نحتاج إلى أفراد مؤمنين بالفكرة و منخرطين في المشروع الإصلاحي يتوفر فيهم الوعي الكامل بأن المجتمع لا يستقيم حاله من دون إصلاح القائمين على الدولة وإصلاح هياكلها وأجهزتها.
بعد هذا التحديد للأرضية نأتي الآن إلى معركة أولويات الإصلاح وتحديد الخيارات وماذا نقدم وماذا نؤخر في الإصلاح حيث ينتظر القائمون على هذا المشروع تحديد الأولويات حيث نحتاج إلى إصلاح تشريعي وسنّ قوانين جديدة وتنقية المدونة القانونية من كل مداخل الفساد ومسهلات الولوج إلى الانحرافات وشرعنة الإخلالات وسن تشريعات جديدة تحقق العدل والمساواة بين الجميع وتيسر الحصول على الخدمات وقوانين أكثر واقعية في محاربة الرشوة والمحسوبية.

توزيع عادل للثروات

نحتاج إلى عمل كبير لإصلاح البنية الأساسية للجهات الداخلية حتى لا يشعر سكان هذه المناطق الموصوفة بالمنسية والمقصية والتي عاقبتها دولة الاستقلال لأسباب سياسية قديمة بأنهم مواطنون من الدرجة الثانية وحتى نضمن تحقق توزيع عادل للثروات والمشاريع الاقتصادية والاستفادة من عائدات الدولة بنفس القدر مع الجهات الأخرى الأكثر حظا فهذا الإصلاح الذي تحتاجه الجهات الداخلية لم يعد اليوم مجرد خيار تقرره الدولة في سياساتها، وإنما بات ضرورة وطنية وتاريخية فلم يعد مقبولا أن تبقى بعض الجهات تنتظر حقها في التنمية منذ عقود وأن تبقى مناطق كثيرة تترقب التنمية التي لن تأتي.
نحتاج إلى رؤية جديدة للعمل وبرنامج وطني وواقعي للتعاطي مع ظاهرة تفشي البطالة في صفوف الشباب وخريجي الجامعات ورؤية أخرى لتوفير الاستثمارات وتشجيع المستثمرين المحليين والأجانب وفتح الآفاق لرجال الأعمال وأصحاب المشاريع للاستثمار وتوفير فرص العمل وتوسيع إمكانيات الشغل، وهذا يحتاج إلى مناخ مشجع وجالب تتوفر فيه الشروط الدنيا من استقرار سياسي وقوانين مستقرة وواضحة وخاصة في المجال الضريبي.

هذا ما نحتاجه

نحتاج إلى إصلاح عميق في الإدارة التونسية وتخفيف التعقيدات الإدارية والتخلي عن الكثير من الإجراءات التي تكبلها، والتي لم تعد تتماشى مع الواقع الذي نعيشه حتى نوفر الخدمات الضرورية للمواطن وحتى يتمكن الموظف من إسداء الخدمات للمواطنين بكل سهولة وطرق ناجعة ومُبسطة من دون تعقيدات ولا تأخير وفي هذا السياق توجد ثلاثة قطاعات تحتاج تدخلات عاجلة في مسار إصلاح الدولة وهي الصحة والتعليم والنقل فاليوم لم يعد مسموحا به أن تبقى مدارسنا ومستشفياتنا ووسائل نقلنا تعيش واقعا بائسا من انعدام البنية التحتية وضعف الميزانيات المرصودة وغياب العناية بالصيانة والتعهد اللازمين.
هذه بعض الإصلاحات الحسّاسة هي بمثابة الأوليات في إصلاح الدولة قبل أن نمر إلى إصلاح الإنسان والمجتمع، وهذه رؤية مبسطة لعملية التغيير الكبير قبل الإصلاح الصغير وهو إصلاح أصبح اليوم الحديث حوله مكثفا وهذه رؤية ومجموعة أفكار قابلة للنقاش والحوار.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى