الصريح الثقافي

في ذكرى شاعر تونسي استثنائي: نور الدِينِ صَمُّود…الجِنْتِلْمَانُ فَصِيحُ اللسان..

كتب: عزالدين الباجي

هُوَ لَا يَدْخُلُ الْمَجَالِسَ، بَلْ يَتَهَادَى فِيهَا كَمَا تَتَدَافَعُ الْقَوَافِي خَجَلًا فِي حَضْرَةِ الْقَصِيدَةِ، وَكَأَنَّ اللُّغَةَ خُلِقَتْ لِتُصْغِيَ إِلَيْهِ، لَا لِيَنْطِقَ بِهَا. نُورُ الدِّينِ صَمُّود

ذَاكَ الرَّجُلُ الْوَقُورُ، الَّذِي إِذَا جَلَسَ خَفَّتِ الْأَصْوَاتُ، وَإِذَا تَكَلَّمَ سَكَنَتِ الرِّيحُ، وَإِذَا صَمَتَ مَلَأَ الصَّمْتُ الْمَكَانَ مَهَابَةً. فِي حَضْرَتِهِ، تَشْعُرُ أَنَّ الزَّمَنَ يَطَأُ الْأَرْضَ عَلَى رُؤُوسِ الْأَصَابِعِ إِجْلَالًا، وَأَنَّ اللُّغَةَ تَسْتَعِدُّ لِلامْتِحَانِ، فَتَصِيرُ أَكْثَرَ خَجَلًا وَأَكْثَرَ أَنَاقَةً.

ذَاكِرَةٌ حَيَّةٌ

لَيْسَ شَاعِرًا وَحَسْبُ، بَلْ هُوَ ذَاكِرَةٌ حَيَّةٌ لِلْقَصِيدَةِ حِينَ تُولَدُ مِنْ رَحِمِ الْهُوِيَّةِ، وَتَتَجَاوَزُ بَهْرَجَةَ الزَّخَارِفِ إِلَى جَلَالِ الْمَعْنَى. لَا يَجْلِسُ فِي الْمَجْلِسِ لِيُسْمِعَ، بَلْ لِيُضْفِيَ عَلَى اللَّحْظَةِ هَيْبَةَ الْمَعْرِفَةِ وَصَفَاءَ التَّأَمُّلِ. يَمْلِكُ مِنَ الْهُدُوءِ مَا يَجْعَلُ الضَّجِيجَ يُنْصِتُ، وَمِنَ التَّوَاضُعِ مَا يَجْعَلُ الْكِبْرِيَاءَ يَتَرَاجَعُ خَطْوَةً إِلَى الْوَرَاءِ.
كَانَ لَهُ مِنَ الْأَدَبِ، وَمِنْ آدَابِ الْمَجَالِسِ، مَا جَعَلَهُ ذَاكَ الجِنْتِلْمَانَ، فَصِيحَ اللِّسَانِ، جَلِيَّ الْبَيَانِ. يَتَحَرَّكُ فِي الْمَجْلِسِ كَمَا يَتَحَرَّكُ الْمَعْنَى فِي بَيْتِ الشِّعْرِ، وَقُورًا دُونَ تَكَلُّفٍ، حَاضِرًا دُونَ اسْتِعْرَاضٍ، كَرِيمَ الْإِصْغَاءِ إِذَا تَحَدَّثَ غَيْرُهُ، وَبَلِيغًا إِذَا جَاءَ دَوْرُهُ فِي الْكَلَامِ. فَكَأَنَّهُ يُعَلِّمُكَ وَأَنْتَ تَظُنُّ أَنَّكَ تُصَادِفُ الْحِكْمَةَ عَرَضًا، وَيُؤَدِّبُكَ وَأَنْتَ تَحْسَبُ أَنَّكَ تَتَهَذَّبُ طَبْعًا.

صاحب المبادرة

كُنْتُ مِنْ سُعَدَاءِ الْحَظِّ الَّذِينَ أَلْقَتْ بِهِمُ الْأَقْدَارُ فِي حَضْرَةِ كَوْكَبَةٍ مِنْ رِجَالِ الْفِكْرِ وَالثَّقَافَةِ، أُولَئِكَ الَّذِينَ تَعَوَّدُوا الِاجْتِمَاعَ فِي مَكْتَبِ أُسْتَاذِي عَبْدِ الْحَمِيدِ بَلْعَلْجِيَّة، الرَّجُلِ الَّذِي لَمْ يَكُنْ لِي مُجَرَّدَ مُعَلِّمٍ، بَلْ أَبًا رُوحِيًّا بِحَقٍّ، وَإِنْ لَمْ أَكُنْ قَدْ تَجَاوَزْتُ الثَّانِيَةَ وَالْعِشْرِينَ مِنْ عُمْرِي. ذَلِكَ الْمَجْلِسُ الَّذِي لَا يَنْعَقِدُ إِلَّا فِي حُضُورِ الدُّكْتُورِ نُورِ الدِّينِ صَمُّود، صَاحِبِ الْمُبَادَرَةِ بِطَرْحِ الْمَوَاضِيعِ، وَتَوْجِيهِ الْحِوَارِ بِحِنْكَتِهِ وَرُوحِهِ الْمُتَفَائِلَةِ.
أَشْهَدُ حِوَارَاتِ النُّخَبِ كَمَا لَوْ أَنَّنِي أُطِلُّ عَلَى زَمَنٍ ذَهَبِيٍّ لِلْفِكْرِ وَالْمُوسِيقَى وَالذَّوْقِ. تِلْكَ الْمَجَالِسُ الَّتِي لَا تَدْخُلُهَا السِّيَاسَةُ أَبَدًا، وَلَا يُرْفَعُ فِيهَا شِعَارٌ غَيْرُ الْمَعْرِفَةِ وَالْإِنْصَاتِ. كَانَ طَهَ حُسَيْن يَحْضُرُ فِيهَا مِنْ خِلَالِ كِتَابِهِ “الأَيَّام”، وَكَذَلِكَ الْعَقَّاد، وَأَحْمَد شَوْقِي، وَيَتَسَلَّلُ صَوْتُ مِنُّور صِمَادِح، الشَّاعِرِ الَّذِي كَانَ يَتَرَدَّدُ عَلَى مَكْتَبِ سيِ عَبْدِ الْحَمِيدِ، وَقَدْ فَقَدَ عَقْلَهُ، وَلَمْ يَفْقِدْ شَاعِرِيَّتَهُ.

تركيبة المجلس

وَإِذَا سَأَلْتَنِي عَنْ بَاقِي أَعْضَاءِ ذَٰلِكَ الْمَجْلِسِ الْمَهِيبِ، فَلَنْ أَتَوَانَى عَنْ الْبَدْءِ البروفيسور بِالْمُنْجِي الشَّمْلِي، ذَٰلِكَ الْمَوْسُوعِيِّ الْوَقُورِ، ثُمَّ بُورَاوِي بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، صَاحِبِ الْحُضُورِ الْإِذَاعِيِّ الْأَخَّاذِ، وَالدُّكْتُورِ رِيَاضِ الْمَرْزُوقِي، ابْنِ الشَّاعِرِ الْكَبِيرِ امْحَمَّدِ الْمَرْزُوقِي، وَمُحَمَّدِ التَّرِيكِي، شَيْخِ الْمُوسِيقِيِّينَ وَالْمُلَحِّنِ الْقَدِيرِ، وَالْهَادِي الْجُوَيْنِي، الْمُلَحِّنِ الَّذِي سَبَقَ عَصْرَهُ، وَالدُّكْتُورِ جَعْفَرِ مَاجِدٍ، إِلَى جَانِبِ أُسْتَاذِي عَبْدِ الْحَمِيدِ بَلْعَلْجِيَّة، الْقَلْبِ النَّابِضِ لِذَٰلِكَ الْمَجْلِسِ النَّادِرِ.
وَفِي وَسَطِ تِلْكَ الْقَامَاتِ الشَّامِخَةِ، كُنْتُ أَجِدُنِي مَشْدُودًا إِلَى الدُّكْتُورِ نُورِ الدِّينِ صَمُّود، الَّذِي وَهَبَهُ اللهُ هَيْبَةً وَوَقَارًا وَجَمَالًا وَأَنَاقَةً مُنْقَطِعَةَ النَّظِيرِ. كُنْتُ أُرَاقِبُ الْجَمِيعَ حِينَ يَتَحَدَّثُ، وَهُوَ يَتَعَمَّدُ صِيَاغَةَ كَلَامِهِ بِالْعَرَبِيَّةِ الْفُصْحَى، فَتَسْتَكِينُ الْأَصْوَاتُ، وَتُنْصِتُ الْعُقُولُ. ثُمَّ يَأْتِي بَعْدَهُ الْمُنْجِي الشَّمْلِي، يُعَقِّبُ، يُوَافِقُ، يُخَالِفُ، وَيَفْتَحُ بَابَ النِّقَاشِ، فَيَخْتِمُهُ الدُّكْتُورُ صَمُّود بِإِجَابَاتٍ تُقْنِعُ الْجَمَادَ، وَتَمْنَحُ لِلْمَعْنَى وَضُوحًا لَا يُشَقُّ لَهُ غُبَارٌ.
وَلَكَمْ دَهِشْنَا، نَحْنُ الشُّبَّانَ، وَهُوَ يَسْتَظْهِرُ مَا تَفَرَّقَ فِي كُتُبِ الْأَدَبِ، وَيَسْرُدُ مِنْ دَوَاوِينِ الشِّعْرِ قَدِيمِهَا وَحَدِيثِهَا مَا يَجْعَلُكَ مَشْدُوهًا أَمَامَ هَذِهِ الذَّاكِرَةِ الرَّقْمِيَّةِ الَّتِي تَحْمِلُ أَرْشِيفَ الْكَلِمَةِ فِي صَدْرٍ وَاحِدٍ.

خِفَّةِ دَمٍ أَصِيلَةٍ

وَلَمْ تَكُنْ فَصَاحَتُهُ وَوَقَارُهُ حَائِلًا دُونَ خِفَّةِ دَمٍ أَصِيلَةٍ، فَقَدْ كَانَ صَاحِبَ دُعَابَةٍ ظَرِيفَةٍ، لَطِيفَةِ الْإِلْمَاعَةِ، وَبِالْعَرَبِيَّةِ الْفُصْحَى أَيْضًا! تَخْرُجُ الطُّرْفَةُ مِنْ فَمِهِ كَمَا يَخْرُجُ الْبَيْتُ الشِّعْرِيُّ: مَوْزُونًا، مُبَاغِتًا، مُضْحِكًا، وَلَكِنْ دُونَ تَكَلُّفٍ.
ولمْ يَكنْ غَريبًا أنْ يتولّى مَسؤوليّاتٍ ثقافيّةً رفيعةً، فقدْ كانَ عُضوًا بلِجانِ التّحكيمِ في مِهرجانِ الأُغنيةِ التّونسيّةِ، ورئيسًا لِلجنةِ فرزِ الأَغاني، وعُضوًا بلجنةِ إجازةِ النّصوصِ الشِّعريّةِ بالإذاعةِ، إلى جانِبِ عبدِ المجيدِ بنِ جدّو، وامحمّدِ المرزوقي، ورِضا الخويني.
لجنةٌ حَمَتِ الذَّوقَ العامَّ، وصَانَتِ الكلمةَ المُغنّاةَ، وأَعلَتْ مِنْ شأنِ الجَودةِ، والصِّدقِ، والجمالِ.
ولا أَنسى ذلكَ البَرنامجَ الذي كانَ يُبثُّ من استوديو ( بالإذاعةِ الوطنيّةِ: “عَلى ضِفافِ المَعنى”، والّذي جَمعهُ بعبدِ الحميدِ بلعلجيّة، وبُوراوي بنِ عبدِ العزيز، بمُصاحبةِ الفِرقةِ المُوسيقيّةِ التي كُنتُ أحدَ أَعضائِها، بِصفتي عازفًا على آلةِ الكَنترباص.
كانَ البَرنامجُ لَوحةً فنيّةً تتقاطعُ فيها القَصيدةُ مع الأُغنيّةِ، وَفقَ مَوضوعِ الحَلقةِ: فِراقٍ، عِشقٍ، شَوقٍ، حِكمةٍ… وكلُّها مُؤثّثةٌ بِشِعرٍ راقٍ، ونِقاشٍ سامٍ، وأداءٍ مُوسيقيٍّ لا يُنسى.

يَطُولُ الحديثُ…

يَطُولُ الحديثُ عنِ الدّكتورِ نورِ الدّينِ صَمود… فقدْ عَرفتُهُ أَوّلًا مِن خلالِ كِتابِه في “العَروضِ”، وأنا تِلميذٌ في مَعهَدِ خَزندار، وتَعلّمتُ منهُ بُحورَ الشِّعرِ. ثمّ اقتربتُ منهُ شَاعرًا يافعًا، فاستمعَ إلى أُولى مُحاولاتي، وأجازَ مُعارضتي لِقصيدةِ “يا ليلَ الصّبِّ”، حينَ عُرِضَتْ على لجنةِ النّصوصِ.
حاولتُ الإيجازَ، لكنّ فَخامةَ الاسمِ أَفقدتني السّيطرةَ على قلمي، فأَخذَ يَركضُ من سطرٍ إلى آخرَ، ومن ذاكرةٍ إلى أُخرى، وأنا أَلهثُ خَلفهُ، عاجزًا عنْ لَمِّ شَتاتِه، أو كَبحِ اندفاعِه.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى