صالون الصريح

نوفل سلامة يكتب: حينما تكون خيارات التنمية خاطئة يحصل ما حصل مع المجمع الكيميائي بقابس

slama
كتب: نوفل سلامة

المجمع الكيميائي بقابس واحد من أضخم المنشآت الصناعية التي راهنت عليها دولة الاستقلال لتوفير مواطن شغل بالعدد المطلوب، وحل مشكلة البطالة بتشغيل الآلاف من طالبي الشغل، وتحقيق تنمية مرتقبة وموعودة للجهة لتحسين واقعها بما يوفره المجمع من عائدات مالية معتبرة من المفروض أن يعود جزء منها على واقع السكان والأهالي…

من ركائز الاقتصاد

هذه المنشأة الصناعية التي أُنشأت في سبعينات القرن الماضي بقرار وإرادة من دولة الاستقلال لتكون من الركائز القوية للاقتصاد بفضل الاستثمار في الحامض الفسفوري، وما يتم انتاجه من الأسمدة الفلاحية لضمان الأمن الغذائي بما جعل المجمع إلى جانب دوره الاقتصادي المحلي أحد الروافد الرئيسية للتصدير، غير أن هذا المكسب الكبير الذي كان خيارا تنمويا للدولة ورؤية اقتصادية لتحقيق النمو والرفاه للشعب قد تم تركيزه ووضعه في الموقع والمكان الخطأ على أطراف مدينة قابس…

أجمل واحات العالم

على مقربة من ثلاث واحات من أجمل واحات العالم وبالقرب من خليج قابس المطل على البحر الأبيض المتوسط الذي يعدّ من أجمل خلجان الدنيا من دون مراعاة لخصوصية الجهة المشهورة بطابعها الفلاحي، وتخصص سكانها في الصناعات التقليدية التي تميزت بها الجهة من دون أن ننسى النشاط البحري وأسماك قابس المعروفة والتي اختفى منها الكثير من الأنواع نتيجة ما حصل من تلوث للبحر…

مشاكل بيئية بالجملة!

هذه المنشأة الصناعية التي تنشط في معالجة مادة الفسفاط نتيجة تركيزها في مكان قريب جدا من مناطق العمران، قد حوّلت حياة الناس إلى جحيم وهددت صحتهم وأرهقت عيشهم وقد زادت المخاطر بعد أن تسبب إلقاء فضلات المجمع الكيميائي من مادة الفوسفوجيبس في خليج قابس في تلوث كبير للبحر ومكوناته من سمك ونبات بحري فضلا عن التلوث الهوائي الذي يندفع من مداخن المجمع..
وهذا يعني أن هذه المدينة العريقة والتي يعود تاريخ تأسيسها إلى زمن قديم وكانت توصف بأنها جنة فوق الأرض بفضل اجتماع عناصر طبيعية متعددة حيث جمعت بين الواحة والبحر والجبل والصحراء لتجعل من هذه المدينة فضاء خلابا كان من الممكن أن يتواصل لو عرفت الحكومات المتعاقبة كيف تستفيد منها لتجعلها قبلة سياحية عالمية حيث تذكر كتب التاريخ أن قابس أو ‘تكاب القديمة’، كما كانت تسمى والتي أسسّها على اختلاف بين المؤرخين إما الفينيقيون أو البرابرة كانت مركزا حضاريا مشعا في الحضارات القديمة ومركزا تجاريا لعب دورا كبيرا في زمن الرومان والقرطاجيين بفضل موقعها الاستراتيجي الهام الواقع بين الطرق التجارية التي تربط المشرق بالمغرب بالمحطات التجارية الإفريقية…

حيث فهمت كل الشعوب الوافدة على بلادنا أن لهذه المنطقة موقعا استراتيجيا في جلب الثروة و تحقيق الازدهار والتقدم لذلك كانت قابس دوما محل نزاع وصراع بين كل الإمبراطوريات التي حكمت تونس على من يسيطر عليها غير أن هذه الأهمية قد تراجعت في الأزمنة الأخيرة وخاصة في مرحلة ما بعد الاستعمار الفرنسي بعد أن غيّبت دولة الاستقلال الاهتمام والعناية التي تستحقهما المدينة.

3 أخطاء جسيمة

وحتى نفهم حجم الأخطار البيئية التي يتعرض لها سكان قابس لا بد من التذكير بأن دولة الاستقلال قد ارتكبت في حق السكان ثلاثة أخطاء جسيمة: الخطأ الأول تمثل في تركيز منطقة صناعية متخصصة في نشاط مصنّف صناعة ثقيلة يمثل تهديدا للبيئة في قلب المناطق العمرانية، والخطأ الثاني كان في عدم التفكير في حماية المائدة المائية جراء الاحتياج الكبير للماء في معالجة الفسفاط مما أثّر على تزويد السكان من الماء الصالح للشراب بعد تقلص المخزون المائي، والخطأ الثالث هو إلقاء فضلات المجمع الكيميائي من مادة الفوسفوجيبس في البحر وتأثيره على الثروة السمكية والإنتاج النباتي في البحر الذي يحتاج إليه في حماية الثروة السمكية وحماية تكاثر السمك وتحقيق التوازن الايكولوجي في المحيط…
فضلا عن تلوث الهواء نتيجة الانبعاثات الغازية التي ترسلها مداخن المجمع وما ينجر عنها من مشاكل في التنفس وظهور أمراض عديدة مهددة للصحة…

مُعضلة قديمة

ورغم أن هذه المخاطر ليست بالجديدة على الرأي العام بل هي معضلة بيئية قديمة يعرفها الجميع وتم تناولها في العديد من المناسبات كان من بينها ندوة فكرية احتضنتها مؤسسة التميمي للبحث العلمي والمعلومات بعد الثورة حيث وقفت على كل هذه المخاطر التي تتسبّب فيها الانبعاثات الغازية على صحة السكان ومشاكل بيئية جراء إلقاء مادة الفوسفوجيبس في البحر والحلول الممكنة لإنقاذ الجهة من هذا الموت البطيء الذي ينتظر السكان، ورغم أن الدراسات العلمية التي أجريت على هذا النشاط الكيميائي كثيرة ومتنوعة وهي تعود إلى سنوات عديدة قبل الثورة وبعدها…

ملف معلّق

وقد حوت معاينات دقيقة ومعطيات علمية تؤكد خطورة تواصل نشاط المجمع الكيميائي بهذه الجهة فإن القرار السياسي بقي يُراوح مكانه رغم أن الحكومة في سنة 2017 قد اتخذت قرارا بتفكيك وحدات المجمع ونقلها إلى مكان آخر بمنطقة غنوش، ولكن هذا الحل قد لقي اعتراضا من أهالي غنوش، ومنذ ذلك التاريخ بقي ملف التلوث بقابس معلقا إلى اليوم.
المشكل الذي يعترض حل هذه المعضلة البيئية التي تعاني منها جهة قابس لا يتوقف عند إجراء المعاينات ولا الدراسات ولا تكوين اللجان العلمية فكل ذلك قد تم وأُنجز وحتى القرار السياسي قد تم اتخاذه منذ سنة 2017، وما بقي هو التنفيذ ومتابعة القرارات الحكومية السابقة من منطلق مبدأ تواصل الدولة رغم تغير الحكومات وتبدل المسؤولين فالدولة لها تعهداتها ومسؤوليتها.

ما البدائل المطروحة؟

المشكل الذي يعوق إنهاء هذه المأساة البيئية هو أن الملف قد توقف حينما رفض أهالي غنوش الحل المقترح واعترضوا على نقل وحدات المجمع من قابس إلى غنوش حيث لم يواصل القائمون على هذا الملف الاشتغال على الحلول ولم تقدم البدائل والامكانيات المتاحة في جهات أخرى تكون بعيدة عن أماكن العمران ولا تسبب أي ضرر بالبيئة والإنسان.
المشكل في كون الكثير من الملفات الحارقة ومنها ملف المجمع الكيميائي بقابس يتم القاؤها جانبا وتبقى مهملة بمجرد ظهور بعض الصعوبات في التطبيق أو بروز مشاكل عقارية أو فنية حتى يتوقف كل شيء ومعه يتوقف التفكير والاجتهاد لإيجاد الحلول الممكنة والبدائل المتاحة، وهذا مشكل تعاني منه تونس منذ زمن طويل وهو مشكل المسؤول في بلادنا ومشكل الحكومات المتعاقبة التي تعجز عن حل الإشكاليات التي تعترضها وفض الصعوبات في وقتها وقبل أن تتفاقم مع الزمن وتزداد تعقيدا ويصبح حلها صعبا.

مطلب معقول ومشروع

واليوم موضوع التلوث البيئي في مدينة قابس بكل مكوناته وأبعاده لم يعد موضوع دراسات ولا معاينات ولا لجان تتنقل إلى الجهة لتعد تقريرا جديدا يرفع إلى المسؤول فكل ذلك قد انجز منذ سنوات كما أن الإرادة السياسية موجودة وقد وجدت منذ سنة 2017 وقد اتخذ القرار بتفكيك الوحدات ونقلها إلى مكان آخر ولكن ما ينقص اليوم وما هو مطلوب هو مراجعة منوال التنمية لجهة قابس بما يتلاءم مع خصوصيتها التاريخية و يستجيب لطبيعة المدينة واختيار مكان آخر ملائم لنقل وحدات الإنتاج يكون متفقا مع نشاط المجمع الكيميائي ولا يسبب أي ضرر للإنسان و للبيئة، هذا ما يطالب به الأهالي والمحتجون في قابس وهي مطالب معقولة ومشروعة…

إيقاف الخطر أولا

ما هو متأكد اليوم ومستعجل في انتظار تفكيك الوحدات ونقلها إلى مكان آخر حيث لم يعد من الممكن بقاؤها في قابس، وهو عمل يتطلب وقتا أن نوقف تلوث الهواء وتسرّب الانبعاثات الغازية القاتلة والقيام بالإصلاحات اللازمة والصيانة المطلوبة لتصفية هذه الانبعاثات والتقليل من تلوث الهواء، وهي مسألة تحتاج هي الأخرى إلى توفير الأموال والاعتمادات اللازمة.
فهل نجد من الاستعداد لدى المجمع الكيميائي للقيام بالصيانة اللازمة لإيقاف المخاطر البيئية في انتظار الحل النهائي؟

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى