نوفل سلامة يكتب/ انتفاضة مدارس فرنسا: حين تنتقل جذور الأزمة إلى الشوارع


كتب: نوفل سلامة
حراك تلمذي بدأت تعرفه مدارس فرنسا في منتصف شهر سبتمبر 2026 تسبب في غلق أكثر من 400 مؤسسة تعليمية احتجاجا على ظروف التدريس، ولفت نظر المسؤولين إلى تدني الوضع التربوي والمطالبة بتحسين البنية التحتية..
وخاصة التقليل من الزمن المدرسي ومن الاكتظاظ في الأقسام وتوفير المدرسين والتقليل من غياب الموظفين والمـُدرسين، وتوفير قدر من النظافة داخل المدرسة وتوفير التدفئة في فصل الشتاء والمكيفات في فصل الصيف والتفكير في آفاق مريحة لمرحلة ما بعد الدراسة والتخرّج، وهي مطالب كلها تصب في إصلاح المدرسة العمومية الفرنسية وضمان المستقبل الذي يراه شباب فرنسا غير واضح…
الخوف في فرنسا اليوم بعد هذه الموجة من الاحتجاجات التلمذية من أن يتحول هذا الاحتجاج الذي بدأ فئويا يقوده التلاميذ وأخذت رقعته تتوّسع من يوم إلى آخر من أن يصبح ائتلاف غضب شامل ينضم إليه طلبة الجامعات والنقابات العمالية وحركة المزارعين والفلاحين، وخوف آخر من أن تجد دعوات إعادة إحياء حركة السترات الصفراء مناخا مناسبا وأرضا رطبة وسط هذا الحراك لعودتها إلى الشوارع، وهي الحركة التي قامت ضد الوضع الاجتماعي المتردي لأغلب الطبقة المتوسطة والفقيرة وضد غلاء المعيشة وتدني الأجور ومعاشات المتقاعدين وغلاء فاتورة الطاقة والكهرباء وكثرة الأداءات…
انتفاضات ربيع 1967 وخريف 1990
ما يحصل اليوم مع هذه الاحتجاجات التلمذية التي تخرج بانتظام كل أسبوع ولا تريد أن تهدأ ولا تقبل بالتراجع عن مطالبها، هو أن هذا الغضب الشبابي يُذكِّرنا بغضب آخر حصل في ربيع سنة 1967 وخريف 1990، حيث عرفت فرنسا موجة من الاحتجاجات قامت على نفس المطالب الآنية فالشعارات هي نفسها والمطالب بقيت على حالها وكأن الزمن لم يتغير وعقارب الساعة تعود بنا إلى الوراء..
فالمحتجون يرفعون نفس الشعارات: نريد مدرسة عمومية وتعليما شعبيا وظروف تدريس ملائمة وأفقا واضحا للمستقبل، مدارس فرنسا تنتفض ضد المنظومة التربوية المتهالكة الفاقدة لأبسط مقومات التدريس وموجبات التعليم العصري احتجاجات ضد السياسات المتبعة ووعود الحكومة الزائفة والكاذبة، ومن أجل المحافظة على المدرسة العمومية الفرنسية التي بدأت تختفي ملامحها وضد الفرز الطبقي الذي بدأ يتعمق أكثر في عالم يتجه نحو اقصاء الطبقات الشعبية وترسيخ فكرة الفرز الاجتماعي..
ثورة شباب فرنسا؟
ويُحوّل البلاد إلى انسداد سياسي وحالة من الغضب الشعبي تجاه السياسات العامة تؤدي إلى حالة من التمرد التي قد تتطور لتصبح انتفاضة شعبية شبيهة بما حصل في ‘الربيع العربي’ حيث هناك من بدأ يتحدث عن ثورة شعبية في فرنسا يقودها الشباب والعمال والمتقاعدون ضد السياسات الحكومية التي تأبى أن تتغير خاصة بعد أن وصل صوت الغضب التلمذي و حراك الشارع إلى دول الجوار الفرنسي و الكثير من الدول الأوروبية الأخرى التي بدأت هي الأخرى على نفس المطالب فالألم على ما يبدو واحد في القارة العجوز.
الشارع الفرنسي ينتفض من وراء أزمة التعليم ليُعبر عن رفضه وعدم قبوله أن يتحول إلى آلة للإبقاء على نفس الوضع وإعادة إنتاج نفس الفوارق الاجتماعية والقبول بنفس الحلول التي أنتجت كل الاحتجاجات السابقة واحتجاجات هذه المرة..
فرنسا اليوم تتغير في اتجاه غير مسبوق بعد إعلان المُحتجين أن تحركهم هذه المرة لن يكون كسابقيه من حيث الإصرار على تحقيق المطالب الاجتماعية المتراكمة والتي عجزت كل الحكومات السابقة على حلها، فالظلم الاجتماعي المتواصل يوميا والفرز الطبقي المستفحل وتراجع الخدمات العامة وخاصة الخدمات المدرسية منها وصعوبة العيش بالنسبة للطبقة الفقيرة وفئة المتقاعدين الذين زادت معاناتهم بعد إرهاقهم بمزيد من الضرائب وغلاء المعيشة، كلها تجعل من الاحتجاجات هذه المرة تأخذ منعرجا لم تعرفه فرنسا سابقا وتأخذ شكل الانتفاضة الشعبية التي التقت فيها قوى تشترك في نفس المعاناة، وربما تحولت إلى ثورة على منظومة الحكم وعلى الخيارات السياسية والاجتماعية المتبعة والتي لم تحقق وضعا اجتماعيا يريده الفرنسيون…
هشاشة الطبقات الشعبية
فغضب الشارع هذه المرة أقوى من حيث الوعي بضرورة التغيير وضرورة مراجعة أولويات الدولة وطريقة ادارتها للشأن العام وكيفية توزيع المال العام فيما يراه الفرنسيون مفيدا لهم وكيفية التقليص من وضع الهشاشة الذي يعيشه الكثير من الفرنسيين وخاصة سكان الضواحي والأحياء الشعبية الذين ضاق بهم الحال وصعُبت عليهم المعيشة وتراجعت قدرتهم الشرائية نتيجة ارتفاع الأسعار وخاصة ارتفاع سعر الغاز والكهرباء المادتان الحيويتان للعيش في مثل مناخ فرنسا.
فرنسا اليوم وصلت إلى آخر النفق فحجم العنف الذي رافق الاحتجاجات يُعبر هذه المرة عن حجم الغضب الذي يشعر به الفرنسيون تجاه الدولة والقائمين عليها وعن وجود أزمات سياسية واجتماعية مُعقدة ومتراكمة تداخلت فيها المطالب المعيشية بالاحتقان الطبقي بأزمة الهوية ومفهوم المواطنة ومعنى الديمقراطية والتطلع إلى المستقبل الذي حوله غموض كبير خاصة بعد أن أقر الرئيس ماكرون أن فترة الرفاه الفرنسي قد انتهت بفقدان التزود بالغاز الطبيعي الروسي رخيص الثمن وارتفاع أسعار الطاقة وارتفاع تكلفة التدفئة وارتفاع الدين الخارجي وتفاقم العجز في الميزانية التي تم إقرارها وعدم قدرة الدولة مع مجاراة كل هذه الإكراهات..
فكل هذه المشاكل وغيرها جعلت الشارع الفرنسي يرفض أن تتحمل الطبقات الاجتماعية الفقيرة والمتوسطة فاتورة الإصلاحات الاقتصادية والسياسية التي أعلنت عنها الحكومة والقائمة بالأساس على خيار التقشف وتطبيق سياسة التقليص من تدخل الدولة لدعم المرافق الحيوية لعموم الشعب.
جيل الذكاء الاصطناعي والمنصات الاجتماعية
ما يحدث اليوم في فرنسا والذي ميز الاحتجاجات الأخيرة أن الذي يقود الحراك الشارعي جيل جديد من الشباب نشأ وتربى في أحضان الثورة الصناعية الرابعة وزمن الذكاء الاصطناعي وشبكات التواصل الاجتماعي والتطور الرقمي يمتلك وعيا وآمالا تتجاوز حدود الوطن الضيق، جيل ينشط ويتحرك خارج أطر الأحزاب السياسية التقليدية وتنظيمات المجتمع المدني والنقابات وفي معظمه غير مرتبط بهياكل تنظيمية، ولكنه في تواصل دائم عبر شبكة عالمية تؤمنها منصات التواصل الاجتماعي هي القاعدة للتنسيق والحوار وطرح الأفكار والترتيب للتحركات والاحتجاجات..
هذا الجيل الجديد يريد من خلال احتجاجاته إيصال صوته لأصحاب القرار السياسي بأن الخيارات المتبعة لم تعد قادرة على استيعاب الأزمات البنيوية المتراكمة وغير قادرة على الإجابة على أسئلة الناس ومشاغل عموم الشعب..
وهو اليوم ينتفض من أجل إعادة صياغة القيّم التي قامت عليها الجمهورية الفرنسية واستدراك ما فات من أفكار قامت عليها الدولة الفرنسية الحديثة واستئناف حركة البناء و دور الدولة الاجتماعي والعودة إلى فرنسا البلد الذي يحتضن كافة أبنائه، والدولة التي تفكر في الجميع وخاصة الفئات الضعيفة وفاقدي السند والجماعات المهمشة والشباب العاطل وسكان الضواحي، وهي الأفكار نفسها التي قامت على أساسها الثورة الفرنسية.



