صالون الصريح

نوفل سلامة يكتب/ المهاجرون من إفريقيا جنوب الصحراء في تونس: دراسة الملامح.. وانحراف السياسات الهجرية

slama
كتب: نوفل سلامة

ما زال موضوع وجود الأفارقة جنوب الصحراء في بلادنا بطرق غير شرعية يثير الكثير من القلق لدى شريحة كبيرة من المجتمع التونسي التي باتت ترفض حضورهم بيننا، بعد أن تكاثر عددهم وتكثف حضورهم في مناطق بعينها بطريقة فوضوية مما تسبب في بروز مشاكل كبيرة وصلت إلى حد الاعتداء على الممتلكات وتبادل العنف وممارسة سلوكيات وصفت بالعنصرية تجاههم…

أكثر من سؤال؟

وما زال موضوع الهجرة الأفريقية يثير أكثر من السؤال حول كيفية قدوم هؤلاء المهاجرين وكل الحديث عن التسهيلات التي يجدونها لدخول الحدود التونسية وحول الغايات والمرامي من وراء قدومهم إلينا…
بين رؤية تعتبر أن وجودهم يأتي في إطار مشروع توطين مبرمج وبقاء دائم لهم بغية تغيير ملامح المجتمع التونسي، وتغيير تركيبته السكانية بعد أن تتكون أقلية من ذوي البشرة السوداء لها عادات وثقافة وقيم ونمط عيش مختلف سوف تطالب بحقوقها ويصعب إدماجها مع السكان الأصليين وما يتبع ذلك من تشكل أحياء خاصة بها على شاكلة أحياء الأقليات الأجنبية في الغرب..
وبين رؤية أخرى تعتبر أن وراء وجود هؤلاء الأفارقة في بلادنا أسباب خاصة دعت إليها الظروف الصعبة التي يعيشونها في بلدانهم الأصلية، حيث اتضح أن أغلبهم فارون من الأوضاع الاقتصادية الصعبة ومن الحروب التي تعرفها بعض الدول الإفريقية وبحثا عن ظروف حياة أفضل وفرص عمل تضمن لهم الكرامة التي يفتقدونها في بلدانهم، وأن تونس بالنسبة إليهم محطة ظرفية و منطقة عبر ومنطقة استقرار وقتي للعمل وتحصيل بعض المال يسمح لهم بالمغادرة نحو أحد البلدان الأوروبية وجهتهم الأصلية وهي هدفهم وغايتهم الأولى…

معلومات متداخلة ومتضاربة

المشكل في هذا الموضوع الذي اشتغل عليه الكثير من الباحثين أن المعلومات حوله كثيرة والمعطيات غزيرة إلى حد التخمة، ولكن جلها متداخلة ومتضاربة ويحفها غموض كبير مما جعل منه موضوعا معقدا، والصورة حوله غير واضحة خاصة فيما يتعلق بالأرقام وأعداد هؤلاء المهاجرين بين من يُضخم ومن يقلّل وبين من يعتبر هذه الظاهرة خطيرة وفيها تهديد لتماسك المجتمع ووحدته، وبين من يُنَسِب الأمر ويقلل من المخاطر ويعتبر أن في الأمر تهويل وتضخيم كبير لا لزوم منه، وبين النظرتين غموض حول السياسات الحكومية المتبعة وتشكيك في مواقف الأطراف المتداخلة وخاصة الاتفاقيات الدولية المتعلقة بالهجرة الإفريقية.

دراسة علمية ميدانية

لكل هذه الأسئلة أعدّ المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية دراسة علمية ميدانية خلال سنة 2024 تناول فيها حقيقة وجود الأفارقة جنوب الصحراء في تونس ودرس الأسباب الحقيقية الواقعية التي دفعت كل هذه الأفواج من المهاجرين للقدوم إلى بلادنا والغايات والأهداف والظروف الصعبة التي مروا بها خلال رحلتهم من بلدانهم الأصلية حتى وصولهم إلى تونس، وكل التسهيلات التي تلقوها سواء من مختلف الشبكات المتخصصة في الهجرة السرية أو من بعض الدول التي يسرّت عبورهم نحو الحدود التونسية…

وقد أشرف على هذه الدراسة الأستاذ الجامعي زهير بن جنات المتخصص في مجال علم الاجتماع والباحث في قضايا الهجرة وخاصة هجرة الأفارقة جنوب الصحراء تم تقديمها في مقر المنتدى التونسي للحقوق الاجتماعية والاقتصادية يوم الثلاثاء 9 جويلية 2025.

أجوبة حول الظاهرة

أهمية الدراسة أنها من بين المحاولات القليلة الجادة التي حرصت على توفير أجوبة قريبة جدا من حقيقة الظاهرة وتقديم معطيات ومعلومات تقترب بنسبة كبيرة من حقيقة وضعية الأفارقة في بلادنا تعكس ما هو موجود على أرض الواقع، على اعتبار أن الحديث حول هجرة الأفارقة بقى في مستوى الاستهلاك الإعلامي والتوظيف الخطابي حيث استحوذ على الظاهرة الخطاب الشعبوي والخطاب العنصري والخطاب الرافض والخطاب الحقوقي والخطاب المتضامن..
ويكفي لبيان أن الظاهرة قد حفها لغط كبير وخلط وغموض أن ننظر إلى الأرقام المقدمة حول عدد المهاجرين الافارقة لنقول أنه خلال سنة 2023 قدمت أرقام حول عددهم حيث هناك من قال أن عددهم بلغ 700 ألف مهاجر وهناك من تحدث عن مليون مهاجر، وفي تصريح لوزير الداخلية قال بأن عددهم في حدود 80 ألف لينزل الرقم إلى حوالي 40 ألف ثم إلى 20 ألف وهذا الاختلاف حول عددهم يفيد أنه لا أحد يملك معطيات حقيقية ودقيقة حول عددهم…

وهذا الغموض نتج عنه ظهور خطاب تهويلي يحذر من خطرهم ويحذر من تكاثر عددهم مصحوبا بدعوات تطالب رئيس الجمهورية بالتدخل و تطهير مدينة صفاقس من المهاجرين وخطابات أخرى عنيفة تدعو إلى طرد هؤلاء المهاجرين لذلك كان من الضروري أن ينتهي هذا الغموض وهذه الضبابية والتضارب حول الظاهرة. وأن تتوفر المعلومات الدقيقة حول حقيقة المهاجرين الأفارقة في تونس من خلال دراسة علمية يتم من خلالها التوجه إلى أصحاب الشأن الطرف المُغيّب في الموضوع وهم الأفارقة الذين نتحدث عنهم من دون أن نستمع إليهم.

ظاهرة قديمة

أهم مخرجات الدراسة وأهم الاستنتاجات التي وصلت إليها تتعلق بالمعطى الأول في الموضوع وهو أن وجود الأفارقة في بلادنا لم يكن جديدا ولم يبدأ مع الثورة، وإنما يعود قدومهم الأول إلى بداية الثمانينات من القرن الماضي، ولكن بأعداد صغيرة من خلال العمل في الهيئات الدولية المتواجدة في بلادنا كالعمل في بنك التنمية الافريقي…
لكن التحول البارز كان في بداية التسعينات مع قدوم عدد كبير من الطلبة الأفارقة للدراسة في مختلف الجامعات التونسية وحينها لم يطرح وجودهم أي إشكال باعتبار أن قدومهم كان منظما إما للعمل أو للدراسة، ولكن المنعرج الكبير اللافت كان في سنة 2011 بعد التحول السياسي الذي عرفته الشقيقة ليبيا مما اضطر الكثير من الأفارقة إلى مغادرة التراب الليبي نتيجة تدهور الأوضاع الأمنية حيث استقبلت تونس أعدادا كبيرة منهم قدرت وقتها بحوالي مليون لاجئ، وكان مخيم الشوشة أكبر تجمع لهم..
واللافت أن الحس العام كان وقتها متضامن معهم وتواصل إلى حدود سنة 2020 حيث الخطاب الرسمي والشعبي في العموم كان متضامنا مع وضعهم ومتفهم لمسألة وجودهم، ولم تكن أعدادهم الكبيرة مقلقة للرأي العام وتجسد هذا التعاطف في سنّ تشريعات هامة كانت حامية لهم من أهمها قانون تجريم الاتجار بالبشر وقانون تجريم التمييز العنصري، وهي قوانين تعكس النظرة العامة التي كانت سائدة والوعي بإنسانية الظاهرة والتي تتجاوز الزاوية الضيقة التي تنظر للظاهرة من خلال المعطى الاقتصادي والتخويف من تداعيات استهلاكهم لمختلف المواد الغذائية من خبز وسكر وحليب وأرز وغيرها وانعكاسها على معيشة الفرد التونسي…

من هنا جاءت فكرة الكتاب القائم على خطة منهجية وعلى استبيان تم اجراؤه خلال السداسية الأولى من سنة 2024 وتوزيعه في ثلاث ولايات تم اختيارها عن قصد لاحتضانها أكبر التجمعات لهؤلاء المهاجرين وهي تونس الكبرى و صفاقس ومدنين بالإضافة إلى تنظيم مقابلات مع العديد من المهاجرين والمهاجرات من مختلف الجنسيات الافريقية وإجراء حوارات معهم فردية وجماعية…

ملامح المهاجرين

أهم إضافة حققتها الدراسة هي أنها استطاعت أن تحدد ملامح هؤلاء المهاجرين والتي تجاوزت العمل قطاع الأعمال المنزلية بالنسبة للنساء الإفريقيات التي تم استغلالهن من قبل شبكات من الوسطاء في التشغيل المنزلي إلى القطاعات الموازية كقطاع البناء والفلاحة والخدمات في المقاهي ومحطات البنزين لتغطية النقص الحاصل في اليد العاملة المحلية…
كما أوضحت الدراسة أن كل الجنسيات الإفريقية موجودة في تونس وأن الهجرة غير النظامية لم تكن حكرا على بلد افريقي دون آخر، وهو مؤشر على التحولات السياسية التي تسببت فيها سياقات الحروب والانقلابات العسكرية والنزاعات المسلحة وتنامي مظاهر العنف التي حصلت في هذه البلدان وفقدان الأمل في المستقبل كل ذلك دفع بالكثير منهم إلى الهجرة بحثا عن واقع أفضل…
الأمر الثاني هو دخول مجموعات جديدة من الافارقة من دولة السودان بسبب الصراع المسلح الذي يعرفه هذا البلد على السلطة والتقاتل بين المؤسسة العسكرية والمؤسسة الأمنية، وهم مهاجرون في الغالب من طالبي اللجوء مع قدوم مجموعات إفريقية جديدة أخرى لم يسبق لها أن قدمت إلى تونس كالمهاجرين من نيجيريا وبنين وغينيا…

فئة أخرى

من المعطيات الأخرى التي كشفت عنها الدراسة تواجد مهاجرين متقدمين في السن قادمين من ليبيا والجزائر بعد أن قضوا سنوات كثيرة في هذه البلدان تصل إلى أكثر من عشرة سنوات وفئات عمرية أخرى من غير الشباب واختيارهم تونس كان بسبب تزايد المخاطر المهددة لحياتهم وهذا يعني أن جزءا كبيرا من هؤلاء المهاجرين لم تكن وجهتهم الأولى تونس وإنما جاؤوا إليها اضطرارا من بلدان أخرى.

المرأة المهاجرة

معطى أخر في الدراسة يتمثل في دخول المرأة المهاجرة غير تلك التي كانت تأتي من أجل الأعمال المنزلية حيث بينت الدراسة أن حوالي 27 % من النساء تواجدن في نفس الظروف مع الرجال الأفارقة ومارست نفس الأعمال الرجالية في مجال الفلاحة والبناء وفي قطاع الخدمات وخضن نفس التجربة ونفس المخاطر.
معطى آخر يتمثل في ظهور الهجرة العائلية التي قد تكون في شكل مجموعات عائلية تهاجر معا وتتعرض إلى نفس المصاعب أو أن المشروع قد ينطلق مع رب الأسرة ثم يحصل التجميع العائلي فيما بعد بالتحاق الزوجة والأبناء، ويتم استدعاؤهم بعد أن يستقر المهاجر الأول كما تظهر الهجرة العائلية في العائلات التي تتشكل أثناء الهجرة وفي طريق الرحلة بحثا عن فضاء يحقق بعض الأمان بالنسبة للمرأة والتضامن العائلي وتقليل المخاطر…

من نتائج الدراسة أن أبناء المهاجرين الكثير منهم له مستوى تعليم جامعي من محامين وأطباء وفيهم إطارات عليا وموظفي دولة في دولهم واللافت أن قدومهم لم يكن من وراء البحث عن عمل أو اعتقادهم من أن تونس هي بلد مريح لهم وإنما مشروع الهجرة بالنسبة لهؤلاء مرتبط بسياقات البحث عن بلد أوروبي يعيشون فيه.
أهم الأرقام التي كشفت عنها الدراسة أن 5 % من المهاجرين في كفالتهم أبناء قصر والكثير من المهاجرين لديهم بطاقات لجوء، ولكن اللافت أنهم يعرفون نفس الظروف الصعبة للمهاجرين غير النظاميين من حيث السكن والإقامة والتضييق الأمني.

أرقام مهمة

من الأرقام أيضا أن حوالي 14,5 بالمائة من المهاجرين قد قدموا إلى تونس بطرق قانونية ودخلوا عن طريق الجو عبر المطار و أن 60 بالمائة منهم دخلوا عن طريق الحدود الجزائرية و 23 بالمائة قدموا من الحدود الليبية..هذه الأرقام وهذه المعطيات الميدانية تبين بكل وضوح أنه كانت هناك سياسة للهجرة تتبعها الجزائر تقوم على تحويل وجهة المهاجرين الأفارقة لأن الجزائر كان لها اتفاقيات مع النيجر والتشاد تقضي بتجميع المهاجرين وترحيلهم، وبعد أن حصلت العديد من الخروقات والانتهاكات المنافية لحقوق الإنسان غيّرت الجزائر موقفها مع العلم وأن القانون الجزائري صارم جدا مع المهاجرين حيث يعاقب كل مهاجر قادم إليها بطريق غير شرعي بسنتين سجنا.
بالنسبة إلى ليبيا فإن الوضع يختلف حيث تم رصد تحويل وجهة هؤلاء المهاجرين نحو تونس في سياق عملية فرار جماعية بسبب الأوضاع الأمنية الخطيرة وتواجد الجماعات المسلحة مما جعل هؤلاء المهاجرين في حالة استضعاف تامة.

90 يرغبون في المغادرة

أهم معطى توصلت إليه الدراسة أن 90 بالمائة منهم يرغبون في مغادرة تونس وأن وجهتهم الأولى هي أحد بلدان أوروبا، وبالتالي فإنه لا علاقة لهم بكل تلك القصص التي تتحدث عن التوطين والبقاء الدائم بيننا فهؤلاء المهاجرين جاؤوا في ظروف معينة، وغايتهم الأساسية كانت الوصول إلى أوروبا و ما حصل في أوروبا في علاقة بالتضييق على الأفارقة انعكس سلبا على الأوضاع في تونس فالسياسات الهجرية الأوروبية تحولت إلى اتفاقيات أبرمت في سنة 2017 تطالب بغلق الحدود البحرية لمنع وصولهم إليها.
خلاصة الدراسة أن هؤلاء المهاجرين القادمين إلينا من بلدان إفريقيا جنوب الصحراء هم ضحايا واقعهم الاقتصادي والسياسي المتردي وضحايا سياسات بلدانهم التنموية وضحايا أوضاع بلدانهم الطاردة لهم وضحايا غياب المناخات الاجتماعية المشجعة على بقائهم في بلدانهم الأصلية الأمر الذي يضفي على قدومهم وهجرتهم طابعا شرعيا ويجعل من الضروري أن نتعامل معهم بنظرة غير عنصرية كارهة ورافضة لهم.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى