نوفل سلامة يكتب: المخيال الأندلسي في روايات حسنين بن عمو: ‘الرواية الموريسكية’


كتب: نوفل سلامة
في إطار نشاطها الثقافي نظمت جمعية الزهراء لحفظ الثقافة الأندلسية، وهي جمعية تعنى بحفظ التاريخ والثقافة و الذاكرة الموريسكية في بلادنا والتأريخ لقدوم الأندلسيين المسلمين بيننا وكل ما هو مشترك مع الشعب الإسباني وذلك بالاشتراك مع المركز الثقافي الإسباني – معهد سرفانتس بتونس- ، ندوة فكرية احتضنتها دار بن قاسم كاهية بالمدينة العتيقة بالعاصمة يوم السبت 17 جوان المنقضي…
خُصصت الندوة لتناول قضية قليلا ما تُطرح في الحقل الثقافي ومشغلا فكريا لا يُلتفت إليه كثيرا، ونحن نبحث في الذاكرة الجماعية للتونسيين ونحفر في مكونات الشخصية التونسية المركبة والتي يقول عنها المختصون إنها تشكلت عبر عصور كثيرة وتحت تأثير ثقافات وافدة عديدة على البلاد، وذلك في محاولة لفهم الهوية التونسية وعناصرها الأساسية والثانوية…
وأبرز ما يميز هذه الشخصية المركبة وما بقي منها فاعلا وأهم المؤثرات الخارجية التي طبعتها من خلال أعمال الأديب و الروائي حسنين بن عمو الذي خصص حيزا كبيرا في منجزه الأدبي للحديث عن الحضور الأندلسي في بلادنا ورمزيته وصوره وتأثيره المباشر على الطباع وطريقة العيش ونمط الحياة للشعب التونسي.
رواية بطريقة فنية جمالية
في هذا اللقاء الفكري الذي تكفل بإدارته الصحفي شاكر بسباس قدّم الكاتب حسنين بن عمو مشروعه الأدبي الذي اشتغل عليه منذ سنوات القائم على فكرة تقديم رواية تاريخية بطريقة فنية جمالية تمزج بين الحقيقة والخيال في محاولة لحمل القارئ الى عوالم غير معروفة وتقريب ما حصل في التاريخ الغابر والقديم من أحداث إليه بطريقة أدبية في شكل روائي يجتمع فيه التاريخ الحقيقي بالتاريخ المتخيل وتعني هنا أساسا روايته ‘الموريسكية’ الصادرة سنة 2021 .
حاول حسنين بن عمو في أعماله الأدبية تقديم الملحمة الموريسكية بكل تفاصيلها ومأساة المسلمين الاندلسيين وعملية الطرد التي تعرضوا لها على يد إسبانيا المسيحية بعد سقوط إمارتهم الواحدة تلوى الأخرى وإنهاء وجودهم بالجزيرة الإيبيرية الإسم الذي كانت تسمى به إسبانيا قديما بعد سقوط غرناطة آخر الإمارات الإسلامية والصورة التي كان عليها كل من قدم إلى بلادنا والحالة النفسية والشعور بالألم والغربة ومشاعر الضياع التي هيمنت على كل من استوطن ربوعنا من القادمين من الأندلس فهو من هذه الناحية يقدم تاريخا لهؤلاء الوافدين ويرسم ذاكرتهم ويحفظها من النسيان لذلك يعتبر كل ما كتبه وقدمه من روايات عن المسلمين الأندلسيين وثيقة تاريخية بأسلوب أدبي حتى وإن رفض اعتبار أعماله من قبيل التاريخ أو الكتابة التاريخية.
مأساة الطرد الموريسكي
في هذه الأعمال الأدبية حرص بن عمو على حمل القارئ إلى الأجواء التي رافقت مأساة الطرد الموريسكي خلال القرن الخامس عشر ميلادي واستعادة التاريخ القديم الذي عرفته اسبانيا أيام التفوق المسيحي وما يعبر عنه في ذلك السياق بحركة الاسترداد وعملية استعادة الأراضي الاسبانية من المسلمين بعد ثمانية قرون من الحضور الإسلامي وحركة الانتشار في المدن التونسية المختلفة بعد عملية النزوح الكبيرة التي حصلت لمختلف بلدان شمال افريقيا والاندماج مع المكون التونسي وبناء حياة جديدة مفقودة وما صاحب هذا التشكل الجديد من شعور الغربة من حيث اللغة والعوائد والسلوك وخسارة الوطن بعد المجد الكبير وخسارة الممتلكات رغم أنهم حاولوا أن يحملوا معهم كل ارثهم وتاريخهم وأموالهم وذاكرتهم وفنونهم حيث يشاع أنهم حملوا معهم كل ما يمكن حمله من ذهب وحلي خبؤوه في الحلوات من الكعك وغيره.
محنة الجالية الأندلسية
تحدث بن عمو بكثير من الاعتزاز والتعاطف والمحبة عن الجالية الاندلسية والمسلمين القادمين من اسبانيا مصورا المحنة التي تعرضوا لها والصعوبات الأولى التي لقوها وهم يؤسسون الوجود الجديد في الأراضي التونسية تحت الحكم العثماني وحكم البايات وما عرف عنهم من تسامح وتواضع ورقة الطباع مما جعل معشرهم طيبا وجعلهم محبوبين أينما حلوا. وأحبهم الناس وتعايشوا معهم في كنف السلم والأمان.
صور بن عمو حالة الاستضعاف التي عاشوها في بداياتهم الأولى ووضع التشرد والفقر والحرمان وضنك العيش الذي عاشوه وكيف حاولوا التعامل مع هذه المصاعب والتغلب عليها بكل أنفة وعزة وثقة في النفس وكثير من الصبر حتى وصل بهم الحال إلى أكل بقايا الزبالة من دون أن يلجؤوا الى التسول أو استعطاف الناس.. صور بن عمو هذا الواقع البائس والإرادة القوية التي تسلحوا بها لتحسين واقعهم وتحقيق حياة كريمة بكثير من الإصرار والرغبة في التخلص من هذا الضعف يحدوهم أمل كبير ورغبة أكبر في العودة إلى الوطن الأصلي بعد أن حملوا معهم مفاتيح بيوتهم القديمة.
يعتبر بن عمو أن الفضل يعود للأندلسيين الوافدين والمسلمين القادمين من إسبانيا فيما عرفته تونس من تطور فلاحي في تلك الحقبة من التاريخ وفي انتشار الكثير من الحرف والمهن الصغرى على غرار الحياكة والتطريز حيث حملوا معهم خبراتهم في الزراعة وتقنيات الفلاحة التي كسبوها ويحسب لهم أنهم أدخلوا الكثير من العوائد الراقية إلى البلاد وطرائق العيش المتمدنة المصبغة بالرقة والفيانة والاناقة والفن الراقي والموشحات وآلات موسيقية مختلفة فروح المدنية والتحضر وهدوء الطبع وحسن المعاملة يرجع الفضل فيه إليهم في غرسها في الشخصية التونسية…
إثراء التركيبة الاجتماعية
فالموريسكيون على عكس الأتراك العثمانيين تركوا في التونسيين السكان الأصليين طباعا جميلة فهم لم يكونوا شعبا متهورا غليظ الطباع ما جعل الدارسين في مبحث الشخصية التونسية يرجعون إليهم الفضل في نحت الشخصية التونسية بصفات المدنية والتحضر وحب العمل والحرص على الحفاظ على النظافة والعلاقات الهادئة على عكس الأتراك الذين ينسب إليهم تطعيم الشخصية التونسية بصفات القوة والعنجهية والغلظة والتكبر والاستعلاء وسوء الأخلاق. مما جعل بن عمو يؤكد من خلال رواياته على هذه الخاصيات ويؤكد على دور الأندلسيين في إثراء التركيبة الاجتماعية واعتبارهم ليسوا مجرد لاجئين مطرودين حمالة فكر وثقافة وقيم حضارية.
بين التاريخ الحقيقي والمتخيّل
المقلق في هذا النوع من الكتابة الأدبية والاحراج في هذا النوع من الرواية الذي يطلق عليه بالرواية التاريخية كونها مبنية على أحداث حقيقية ووقائع تاريخية ثابتة ممزوجة بكم كبير من الخيال مما يجعل التمييز بين ما هو تاريخ حقيقي وبين ما هو وقائع متخيلة وخيال أدبي صعب ويجعل هذا النوع من الأدب يخدع القارئ لاختلاط الحقيقة بالخيال والواقع بالمتخيل فتتحول الرواية التاريخية لا إراديا إلى وثيقة تاريخية يستقي منها القارئ معلومات ومعطيات حول الشخوص والرموز والوقائع والأحداث التي تتناولها والتي اختلط فيها الواقع والحقيقة بالخيال والتخيل رغم أن بن عمو ينفي أن تتحول رواياته التاريخية الى كتاب تاريخ.
فالحد الفاصل فيما يكتبه بن عمو بين التاريخ الحقيقي والتاريخ المتخيل رقيق جدا وأحيانا لا يرى ويصعب التفطن إليه وهي معضلة الرواية التاريخية و اشكال تعرفه كتابات أميرة غنيم وكتابات هالة الوردي فهؤلاء الكتاب الذي تخصصوا في هذا النوع من الرواية التاريخية وهذا النوع من الأدب الذي يعتمد على وقائع وأحداث تاريخية حقيقية ويضيفون إليها مساحة واسعة من الخيال والكثير من الصور المتخيلة يفرضها هذا النوع من الأدب يثير إشكالا كبيرا في التعامل معها و في تحديد الموقف منها وفي التوصل إلى تصنيف معقول لهذا الأدب فهل الروايات التي يكتبها حسنين بن عمو هي أدب التاريخ أم هي من قبيل التاريخ الذي تحول إلى نصوص روائية ؟ وبين هذا وذاك يكمن سؤال الذاكرة التاريخية التي نريد أن نحافظ عليها حينما يختلط الزمن الحقيقي بالخيال وبالمتخيل الوهمي.




