نوفل سلامة يكتب: الفنان خارج الركح بين شروط الفن و مقتضيات المواطنة


كتب: نوفل سلامة
في هذا السياق المحلي الذي يظهر فيه المشهد الفني والإعلامي والإبداعي عموما في حالة من التفاهة والوضاعة والانحدار المضموني…وفي هذا السياق الذي نجد فيه الفن بمختلف أشكاله وخاصة المؤثرة منها كالمسرح والسينما والدراما التلفزية حالة من الرداءة التي صنعت رأيا عاما وجمهورا خارج اهتمامات المواطنة كحالة وعي بما يدور في المجتمع وخارج فكرة المواطن المسؤول المشغول بهموم بلاده و المنغمس في مشاعل الشأن العام والذي يهمه مستقبل البلاد في شتى المستويات…
في هذا السياق المأزوم المرتبط هو الآخر بوضع عالمي يعرف تراجعا رهيبا في منظومة القيم والمبادئ والأخلاق، يطرح الكتيبة سؤالا مقلقا وراهنيا في علاقة بدور الفنان في الواقع وموقعه خارج دائرة تخصصه، وفيما نعيشه اليوم من تأزم في كل الميادين ومن انسداد الأفق وخاصة أفق الوضع الاجتماعي وسؤالا آخر هل يكتفي الفنان بما يقدمه فوق الركح من أدوار تمثيلية أمام جمهور تنتهي علاقته معه بعد انتهاء العرض لتتوقف مهمته بعد اسدال الستار ومغادرة الجمهور المسرح ومعه يعود هذا الفنان إنسانا عاديا بلا مهمة ولا دور ولا تأثير في واقع الناس؟
حالة عطوبة وعطالة
والدافع إلى طرح هذا السؤال الذي يغيب في الأوقات المريحة التي تمر بها المجتمعات ويختفي حينما تكون أوضاع البلاد هادئة مطمئنة، ويعود من جديد كلما دخل المجتمع في حالة من الأزمة ووضعية تمكن المشاكل المختلفة ليتم الاستنجاد بالطبقة المثقفة والجماعة المفكرة ومنها الفنان ليُطلب منه المساعدة، ويستنجد به للمشاركة في البحث عن حل لحالة العطوبة والعطالة التي يعرفها المجتمع فكلما دخلت المجتمعات في نفق مظلم من تعدد المشاكل والأزمات إلا ويتم العود الى الثقافة والفكر والفن لتلمس بعض الضوء علّه ينير طريق الخلاص وفك رباط العتمة حتى يتقدم المجتمع.
لمناقشة هذه الفكرة نظم موقع الكتيبة بالاشتراك مع دار الكتاب بالمركز العمراني الشمالي ندوة فكرية ولقاء حواري يوم الخميس 15 أكتوبر 2026 استدعى فيه الفنان المسرحي رؤوف بن يغلان والممثل الإذاعي والتلفزي صابر الوسلاتي..
أي مسؤولية للفنان؟
السؤال المركزي الذي دارت حوله هذه الندوة هو أي مسؤولية الفنان تجاه قضايا مجتمعه؟ وأي العلاقة بين متطلبات الإبداع وواجبات المواطنة ؟ ويتفرع هذا السؤال إلى إشكال من نوع آخر حينما يطرح في سياق الواقع ووضعية الفنان خارج الركح وخشبة المسرح وخارج مجاله الفني الضيق ليحيل السؤال الى قضية التزام الفنان بالفعل المواطني وهل يمكن أن ينفصل الفنان عن واقعه ويكتفي بأداء المهمة التي يعرف بها ولا يشغل نفسه بقضايا الناس وهمومهم خارج المكان الذي ينشط فيه؟
يعتبر رؤوف بن يغلان أن السياق الحالي والوضع العام الذي تعرفه المجتمعات ومنها المجتمع التونسي يفرض على الفنان أن يكون حاملا لرسالة وأن يتبنى موقفا نقديا من كل ما يجري حوله، ويرى أن الفنان الحقيقي هو ذاك الشخص الذي يحمل فكرة وقضية تسكنه وهما يشغله ولا يكتفي بأداء عرض فرجوي لمجرد العرض فقط أو الإضحاك الأبله من دون أن ينتج معنى جديدا ووعيا مواطنيا.
أزمة تواصل كبرى
يقترح بن يغلان حتى يتحول الفنان إلى فاعل في مجتمعه ويتخلى عن صورته النمطية ودوره التقليدي الذي التصق به ولا يكتفي بما يقدمه فوق خشبة المسرح فقط لتنتهي بعد ذلك مهمته أن نفكر في حضور جديد لهذه المهمة، وأن يراجع مفهوم الفنان في هذا السياق التاريخي الراهني ويطرح على نفسه إعادة النظر فيما يقدمه من أعمال في علاقة بالواقع وقضايا الناس…
فهو يعتبر أن الفن في تونس يعيش أزمة تواصل كبرى وأزمة في فهم مقتضيات المواطنة فالفنان قبل أن يكون فنانا هو مواطن يحمل مسؤولية في الدفاع عن قضايا الناس والاهتمام بمحيطه، وفي هذا المستوى يؤكد بن يغلان على أن الفنان ليس من دوره إعادة إنتاج الواقع كما هو عليه وإنما دوره رفض هذا الواقع و التطرق للاخلالات وكشف علله وتقديم تصور بديل لحياة الناس كما يفترض أن تكون فهو يقدم الفكرة ويناقش ويقترح الحلول للتغيير وهذا العمل الذي يقوم به داخل الركح من تفكيك للمشاكل يمتد الى الحياة العامة و إلى المجتمع و الفضاءات العامة ليواصل الفنان النقاش والحوار والفهم إنتاج الوعي.
هذه المهمة التي يريدها بن يغلان للفنان وهذا المعنى الذي يتبناه لفكرة الفنان المسؤول و الفنان المواطني يتوقف عندها قليلا ليؤكد أن الفن عنده ليس أداة للتغيير وإنما هو زاوية نظر تتلاقي مع رؤية السياسي والفيلسوف وعالم الاجتماع في كيفية فهم الواقع وتغييره من خلال رؤية فنية إبداعية حيث للخيال مساحة معتبرة وهذا يتطلب أن يتوفر في الفنان الوعي اللازم بهذه المهمة التي تمتد إلى خارج الركح ولا تكتفي بالعملية التقنية الإبداعية.
ومسألة وعي الفنان بدوره المواطني هي قضية أخلاقية في نظر رؤوف بن يغلان ومسألة أساسية محسومة لا يكون من دونها الفنان فنانا..
فالفنان هو مشروع تغيير وهو رؤية للعالم والوجود والإنسان وليس ترداد لما يريده الناس وما تروج له العامة، فهو لا يعكس الواقع في رداءته ولا يقدم السائد المعطوب ولا يعيد إنتاج السطحية والفرجة البلهاء والإضحاك الساذج.. هذا الخيار الذي ترسخ منذ سنوات لتشكيل إنسان يغلب عليه الطابع الاستهلاكي والفرد النمطي الذي يسهل تطويعه وإخضاعه لما تريده السلطة بمفهومها الواسع وحصر اهتمامه في نوعية من القضايا ليسهل التحكم والتوجيه بعد أن يتحول الفرد إلى سلعة أو بضاعة تباع وتشترى.
الفنان عند بن يغلان له جانب من المسؤولية في كسر الأطر التقليدية والمنظومات البالية المتحكمة وعملية التعليب التي يخضع لها الفرد فهو صاحب قضية ورسالة ومهمة مجتمعية مواطنية، فهو يقدم رؤيته للعالم وللإنسان وللحياة من وجهة نظره، وكما يجب أن يكون عليه الواقع لا كما يريده أصحاب النفوذ والمصالح، ومن يدير العملية الاستهلاكية من رجال المال والاعمال والمنظومة الرأسمالية المتحكمة في العملية الفنية الإبداعية و المهيمنة على القطاع الإعلامي والمؤثرة في المشهد الدرامي من خلال الدعم المادي..
وهي منظومة همها الوحيد الهيمنة و السيطرة والتحكم وجني الأرباح وتحقيق الثروة لا غير من خلال ترويج نوعية من الإنتاج الفني لا ينتج إلا وعيا كحالة القطيع..
الفن قادر لو..
يُنهي رؤوف بن يغلان مداخلته بالقول إن الفن يحكمه اتجاهات هي في الأصل فلسفية وليست تقنية، لذلك كان المسرح منهج تغيير ورؤية لفهم الواقع وتأويله من خلال رؤية جمالية إبداعية تُوظف فيها التقنيات المسرحية، مما يبعده عن أن يكون أداة للتعبير ويجعل منه منهجا وطريقة لفهم الواقع وطرح أسئلة الواقع وفرصة للتفكير في هذا الواقع واقتراح حلول لمعالجته .. الفنان عنده لا بد أن يحمل بداخله قضية تحتاج إلى وعي ومسؤولية ورؤية وحس مواطني هو مطالب باقتراح رؤية للواقع وتقديم عرض فني جمالي من وجه نظره وليس من وجهة نظر المجتمع…
فالفن قادر لو توفر له الفنان المسؤول الملتزم بقضايا الإنسان أن ينهي حالة التأزم والعطوبة التي عليها الإنسان وأن يساهم في إصلاح المجتمع والواقع بما يوفره من مساحة للتفكير والتأمل وطرح الحلول.
ما يمكن قوله عن رؤوف بن يغلان الفنان والانسان أنه شخصية إشكالية وفنان مثقف غير نمطي يسكنه هوس الهم الاجتماعي ويسيطر عليه جنون الإبداع .. هو فنان يغرد خارج السرب ويعيش حالة قلق دائمة فحينما تنصت إليه يصدمك بحديثه عن الواقع والانسان وعن دور الفن في الواقع وحالة الفنان في مجتمعه ..هو في صراع دائم مع أعطاب كثيرة داخلية في المشهد الفني وأخرى مع ‘السيستام’ المتحكم في الحياة الثقافية الذي لا يريد للوضع أن يتطور.. هو فنان يسكنه هاجس الإبداع وهاجس آخر حالة الإنسان وحال المجتمع الذي يتخيله ويريده أفضل مما هو عليه الآن، هو إنسان حالم وهذا الحلم لا يمكن أن يفهمه غير ‘المجانين’ من أمثاله..




