نوفل سلامة يكتب/ أزمة إنقطاع الكهرباء: حان الوقت للانتقال من إدارة الأزمات إلى الحلول الدائمة


كتب: نوفل سلامة
حسب تقرير المرصد الوطني للطاقة والمناجم حول الوضع الطاقي في بلادنا فإن المنظومة الطاقية خلال السداسي الأول من السنة الجارية قد سجلت تطورا إيجابيا يقدر بـ 7 % مقارنة بنفس الفترة من السنة الفارطة..
وهو ما اعتبر تطورا على مستوى الإنتاج الوطني لإنتاج الكهرباء وبالتالي قدرة الشركة التونسية للكهرباء والغاز على تلبية الطلب المتزايد من الكهرباء، إلا أن هذه المؤشرات الإيجابية لا تُخفي أن المنظومة الطاقية ووضعية شركة “الستاغ ” يعرفان جملة من المصاعب…
مصاعب كبرى وحياة صعبة!
هذه المصاعب الكبرى تمنع من تحقيق ما ينتظره الشعب ويطالب به، وتعيق تحقيق الأمن الطاقي والاكتفاء الذاتي وتحول دون تجاوز كل الإشكاليات و الصعوبات التي حصلت خلال هذه الصائفة، وجعلت الحياة أكثر إرهاقا و العيش أكثر صعوبة…وجعلت المواطن بسبب عدم تمتعه بالكهرباء بصفة دائمة ومتواصلة دون انقطاعات عشوائية في أوقات يشهد فيها الطقس ارتفاعا كبيرا للحرارة في معركة يومية مع موجة الحرارة ومقاومة مجهدة مع حركة الانقطاعات التي لجأت إليها الشركة حوّلت حياته تعبا لا يُطاق.
من هذه التحديات أن المنظومة الحالية للطاقة والشبكة التي تتوفر عليها الشركة التونسية للكهرباء والغاز غير قادرة على مجابهة الطلبات المتزايدة للاستهلاك المحلي وتلبية الطلبات الجديدة من الكهرباء نتيجة التحولات المناخية والتطور العمراني والتوسع السكاني وتزايد قطاع الخدمات الذي يفرض استعمالا متزايدا للطاقة.
عجز أحرج الميزانية
من التحديات الأخرى التمدد الحاصل والتوسع الملاحظ في اللجوء إلى التوريد والاستعانة بالطاقة الخارجية نتيجة عدم قدرة الإنتاج المحلي من مادة الغاز على إنتاج كامل للحاجيات المحلية إذ لا يتجاوز الإنتاج الوطني من هذه المادة حدود 20 بالمائة من مجموع ما تحتاجه البلاد، وهذا النقص الكبير والذي يعبر عنه بالصدمة الطاقية تضطر الدولة إلى جلبه من الخارج بالعملة الأجنبية وحالة الضرورة هذه مثلت أكبر عجز أحرج الميزانية وشكل عبئا ثقيلا كبّل الأداء الحكومي.
من التحديات المؤثرة الأخرى أن الشركة تعتمد لتأمين كامل الحاجيات الوطنية من الكهرباء على حوالي 20 محطة لإنتاج الكهرباء تعمل في الغالب بالغاز الطبيعي، وهي وحدات إنتاج بدأت تتقادم ولا تكفي لوحدها لتغطية الطلبات المحلية المتزايدة سواء كانت منزلية أو في المجال الصناعي أو الخدماتي مما يستدعي بناء على الأقل 4 محطات جديدة أخرى لجعل الشبكة تعمل في أريحية وعملية نقل الكهرباء عبر الشبكة تقع بشكل سليم وبالجودة المطلوبة التي يطلبها المواطن دافع الضرائب.
هدر كبير في نقل الطاقة
من التحديات الأخرى والمرتبطة بتقادم محطات الإنتاج ولها رابط بتأكد بناء محطات جديدة وهي مسألة تتطلب تمويلات واعتمادات مرصودة في ميزانية الدولة لفائدة الشركة التونسية للكهرباء للغاز للقيام بكل هذه الاصلاحات والتجديد اللازم، مسألة الضياع الكبير للكهرباء الذي يحصل في الشبكة أثناء عملية نقله من المحطات إلى المواطن ومختلف الجهات الأخرى نتيجة تهالك الشبكة التي تحتاج إلى عملية صيانة و تجديد، وهو هدر كبير يصل إلى حدود 24 % من مجموع الإنتاج الذي يضيع في الشبكة ويمثل خسارة للشركة ويزيد من مصاعبها في تلبية الحاجيات والطلبات المختلفة رغم أن المسافة ليست التي يقطعها بالطويلة كما هو الشأن في الكثير من دول العالم على غرار الصين مثلا التي يتطلب فيها نقل الكهرباء من محطة الإنتاج إلى المواطن الصيني قطع مسافات طويلة جدا.
مسألة أمن قومي
اليوم بعد الذي حصل خلال هذه الصائفة من متاعب غير مسبوقة عرفها المواطن العادي جراء السياسة المتبعة من قبل الشركة التونسية للكهرباء والغاز والانقطاعات الكثيرة التي لجأت إليها لحماية الشبكة الكهربائية من الإنهيار الكامل جراء الإستعمال الذي فاق طاقة محطات الإنتاج وشبكة التوزيع التي لم تعد تستجيب للواقع الحالي وتجاوزتها التطورات الجديدة الحاصلة والتحولات المناخية، فإن مسألة توفر الكهرباء وبالجودة المطلوبة وفي ظروف عادية ومعتادة أصبحت مسألة أمن قومي تفرض وضع خطة وطنية قصيرة المدى وحلول مستعجلة بآليات دقيقة وواضحة لضمان عدم تكرار ما حصل من مصاعب للمواطن التونسي، وتجنب المقاربة المعتمدة تجاه التطورات الحاصلة في موضوع إنتاج واستهلاك الطاقة القائمة على الحلول الظرفية الترقيعية وباتباع الحلول السهلة..
ومن هذه الحلول السهلة القطع الإرادي للكهرباء لفترات من الزمن قد تطول وقد تقصُر، وفي أوقات مختلفة مربكة وهو حل وإن كان يسمح بتحقيق التوازن بين الإنتاج والاستهلاك ويضمن مواصلة عمل الشبكة على حد قول مسؤولي الستاغ وهو إجراء يمكن أن يحل المشكل لفترة إلا أنه لا يُنهي الأزمة نهائيا ولا يضمن عدم تكرارها من جديد كلما ظهرت نفس الأسباب التي أنتجتها.
تحديات كبرى
اليوم بات من الواضح أن الدولة ومنذ سنوات تواجه تحديات مرتبطة بتزايد الطلبات على الكهرباء وتزايد الاعتماد على الغاز الطبيعي غير المتوفر بالقدر الكافي من خلال الإنتاج المحلي الذي يعرف تراجعا تسبب في حصول عجز كبير في ميزانية الدولة، نتيجة هذا العجز الطاقي الذي فرض اللجوء إلى التوريد لتغطية النقص الحاصل وهي مسألة باتت من مسائل الأمن القومي الذي يقتضي التفكير بكل سرعة في وضع الاستراتيجية اللازمة والبرمجة العاجلة والإعداد منذ اليوم لتلافي حصول مثل هذه الأزمة وإيجاد الحلول الضرورية لتوفير مادة الغاز بالقدر الكافي وخاصة في فصل الصيف الذي لم يعد بعد مع ما حصل في هذه الصائفة فصل الراحة والأفراح والمسرات والمهرجانات والأعراس والاستمتاع بالبحر و’الخلاعة’، وإنما تحول إلى فصل المتاعب وخوض المعارك اليومية مع حرارة الطقس والانقطاعات المتكررة والعشوائية للكهرباء.
اليوم لا يمكن أن نُنكر حجم الإكراهات التي تواجه الشركة التونسية للكهرباء والغاز ومصاعب إنتاج الكهرباء والمشاكل الكبرى في تحقيق الاكتفاء الذاتي من مادة الغاز الطبيعي.. ولا يمكن أن نُنكر أن الشركة تحتاج إلى إصلاحات هيكلية وإصلاحات في داخلها في علاقة بعدد موظفيها وبالديون المتخلدة بذمتها وبالديون التي لم تستخلصها وهي أموال ضخمة في ذمة العديد من المؤسسات العمومية وأصحاب النزل والمواطنين..
ولا ننكر أن أزمة الانقطاعات المتكررة في الكهرباء ليست ظرفية وسوف تتواصل مع المواطن في السنوات المقبلة في مثل هذه الفترة من السنة نتيجة كل المشاكل التي ذكرناها، وهي أزمة متواصلة وحلها في بناء محطات إنتاج جديدة تحتاج إلى مدة بين 3 و4 سنوات حتى تدخل في العمل الفعلي، وفي الإنتاج نتيجة البيروقراطية المقيتة والإجراءات التي يفرضها قانون الصفقات العمومية التي تتطلب وقتا وإجراءات طويلة .. وحلها كذلك في توفير الغاز الطبيعي بالقدر الكافي غير المتوفر حاليا.
العاجل والمتأكد!
و في انتظار تحقق كل الإصلاحات اللازمة فإن العاجل والمتأكد والذي لا يمكن أن ينتظر أكثر حتى نقلل من حجم الأزمة والخسائر الأخرى هو إيقاف الضياع الكبير للكهرباء في الشبكة أثناء عملية النقل، وهو ضياع كما قلنا يصل إلى حدود 24 % من مجموع ما تنتجه الشركة وهي مسألة تقنية يمكن تلافيها والتغلب عليها بالشروع الحيني في عملية إصلاح وصيانة وتجديد الشبكة وصيانة كل المحطات والقيام بالإصلاحات اللازمة لمعداتها.
المتأكد اليوم والذي لا يمكن أن يتأجل هو تغيير طريقة التفكير في إدارة الأزمات وضرورة تغيير المقاربة المعتمدة والتخلي عن استراتيجية التعامل مع الدائم بعقلية الظرفي والانتقال من فكرة التعامل مع النقص الموجود بقطع الكهرباء على المواطن الحل السهل إلى تبني مقاربة أخرى تقوم على إدارة الأزمة بحل دائم ونهائي، وهو ممكن ومتاح فقط ما نحتاجه هو التصميم والتخطيط ووضوح الرؤية وتوفر الاعتمادات المالية، وهي موجودة والبدء منذ اليوم في التعامل مع الأزمة حتى لا تتكرر أو تعاد ثانية..




