بيننا وبينهم سنوات ضوئية ثقافية


كتب الفنان الناقد: عزّ الدين الباجي
لم يكن افتتاح المتحف المصري الكبير مجرّد عرض بصريّ مبهر، بل كان بيانًا حضاريًا مكتوبًا بلغة الإبداع والوعي التاريخي. فالمصريون أدركوا أن التكنولوجيا ليست للتسلية، بل أداة لإحياء الذاكرة…
لذلك سخّروا كلّ ما لديهم من فكرٍ وخيالٍ لتجسيد عبقرية أجدادهم، فحوّلوا المشهد إلى ملحمة ضوءٍ ومعنى، تحدّث فيها الحجر بلغة القرن الحادي والعشرين، وكأنّ المصريين القدامى قد بُعثوا من جديد ليقصّوا على العالم حكايتهم الخالدة بأنامل أبنائهم.
التقنية في خدمة الفكرة
هناك، كانت التقنية في خدمة الفكرة، وكانت الفكرة في خدمة التاريخ، وكانت الروعة ثمرة انسجامٍ بين الماضي والحاضر. فخرج المشهد كما لو أنّ الحضارة نفسها قد استعادت وعيها أمام الكاميرا.
أمّا نحن، فحين حاولنا أن نُبهر، أطفأنا. استعملنا الأضواء لتغمر لا لتُضيء، والتقنيات لتُخفي لا لتُظهر. فطمسنا بمعاول الحداثة معالم المسرح الأثري الروماني، وجعلنا من قرطاج التي أنجبت المجد، مسرحًا للضجيج البصري لا للدهشة الحضارية. هناك، ارتفعت الفكرة فأنارت الضوء، وهنا، تقدّم الضوء فأطفأ الفكرة.
كرم ثقافي عجيب!
ولأن المفارقة لا تكتمل إلا حين تبلغ حدّ المرارة، فقد واصلنا كرمنا الثقافي العجيب حين أهدينا آثارنا الوطنية، المستخرجة من ترابنا، إلى من كان بالأمس غازيًا، ليعرضها اليوم في متاحف روما تحت عنوان “معركة زاما”. هكذا تحوّل رمز السيادة إلى تذكارٍ سياحيّ، وصار الذي كان رمزًا للنصر شاهدًا على الهزيمة الجديدة. وبلغ المشهد ذروته حين حضرت وزيرة الشؤون الثقافية لتكون عرّابة ذلك الاحتفال على أرض روما، وكأنّ الذاكرة صارت في نظرنا عبئًا وجب تصديره، لا إرثًا يجب حمايته.
هناك في القاهرة، تحدّث الأثر فأنصت إليه العالم بإعجاب. وهنا في قرطاج، صمت الأثر تحت وهج المصابيح. هناك أضاء الوعي فانبهر البصر، وهنا انبهر البصر فانطفأ الوعي. تلك هي الفوارق بين من يُبدع ليُخلّد، ومن يُبهر ليُنسى. بين من يُؤثّث ذاكرته بالمجد، ومن يُفرّط فيها باسم الحداثة.
فشتّان بين الضوء الذي أضاء المتحف والضوء الذي أطفأ قرطاج.
الوعي سيّد الموقف
وأنا أتابع المشهدين، أدركت كم هو فادحٌ الفرق بين من يصون ذاكرته بذكاء الحب، ومن يفرّط فيها بجهل الزهو. هناك في مصر، كان الوعي سيّد الموقف، فكلّ تفصيلٍ نطق بمعنى، وكلّ ومضة ضوءٍ كانت امتدادًا لوهج التاريخ. أمّا عندنا، فقد غابت البوصلة بين الرغبة في الإبهار والخوف من الفراغ، فضاعت قرطاج بين ضجيجٍ لا روح فيه ومجدٍ لم نعد نحسن قراءته.
ما أقسى أن ترى الأثر يُستعاد هناك بعزّة، ويُستعار هنا بخفة. وما أوجع أن تكتشف أنّ المعركة الحقيقية ليست زاما القديمة، بل زاما الوعي المعاصر. فثمة من يقاتل ليستعيد حضارته، وثمة من يوقّع وثيقة استسلامها تحت أضواء المهرجانات.




