صالون الصريح

صالح الحاجّة …قلمٌ كُتِبَ بماء الذهب!

Muhammad Matari Samida
كتب: محمد الماطري صميدة

في تاريخ الصحافة التونسية تمر أسماء كثيرة لكن قليلا منها يتحول إلى علامة فارقة وإلى مدرسة قائمة بذاتها…ومن تلك الأسماء التي لا يمكن أن تُذكر الصحافة التونسية دون أن يحضر ظلها الوارف اسم الأستاذ صالح الحاجّة.

لم ألتقِ صالح الحاجّة يوما…لم أجلس إليه في مقهى ولم أتشرف بمصافحته ولم تجمعنا جلسة صحفية أو ندوة ثقافية… لكن الغريب أنني شعرت دائما أنني أعرفه لأن القلم أحيانا يكون أصدق من اللقاء.
لم يجمعني به سوى مكالمة هاتفية واحدة لكنها كانت أغنى من لقاءات كثيرة… جاءت مصادفة لكنها بقيت في الذاكرة… تبادلنا خلالها كلمات قليلة لكنها كانت دافئة…صادقة…مليئة بالمودة والاحترام المتبادل.
أغلقت الهاتف يومها وأنا أشعر أنني تحدثت إلى رجل كبير لا بحجم شهرته فقط بل بحجم تواضعه أيضا.
أما اللقاء الحقيقي فقد كان كل صباح…كان يتم بيني وبين مقالاته…!
كنت أقرأ ركن “بطاقة” كما يقرأ العاشق رسالة حبيب وأنتظر “مقعد أمام التلفزيون” كما ينتظر المشاهد موعد برنامجه المفضل… لم يكونا زاويتين صحفيتين بل كانا نافذتين نطل منهما على المجتمع والسياسة والفن والناس بعين ناقدة…ساخرة حينا وحكيمة حينا آخر.
كنت أقول في نفسي دائما: هذا هو “أنيس منصور -الصحافي المصري الشهير- تونس”!
ليس تقليدا لأحد وإنما لأنهما اشتركا في تلك القدرة النادرة على أن يجعلا الفكرة العميقة تبدو بسيطة وأن يحولا المقال الصحفي إلى قطعة أدبية تُقرأ بشغف لا لأنها تنقل خبرا بل لأنها تصنع متعة.
لقد امتلك صالح الحاجّة ما لا يُدرَّس في معاهد الصحافة…
امتلك السحر…ذلك السحر الذي يجعل القارئ يكمل المقال قبل أن يتذكر لماذا بدأ قراءته.
كانت لغته رشيقة دون أن تكون متكلفة وعميقة دون أن تغرق في الغموض وساخرة دون أن تجرح وناقدة دون أن تتعالى.
كان يعرف كيف يضع إصبعه على الجرح ثم يترك القارئ يبتسم… ويُفكر…!
رحلته المهنية من جريدة الصباح إلى الرأي العام ثم إلى الصريح لم تكن مجرد انتقال بين مؤسسات إعلامية بل كانت رحلة قلم يصنع الفارق أينما حلّ…كانت الجريدة التي يكتب فيها تكتسب نكهة مختلفة لأن حضوره كان يضيف إليها شخصية ويمنحها روحا.
كان من ذلك الجيل الذي آمن بأن الصحافة ليست صناعة أخبار فقط بل صناعة وعي…وأن المقال ليس مساحة لملء الفراغ بل مسؤولية أخلاقية وثقافية…وأن القارئ ليس رقما في سجل التوزيع بل عقل يجب احترامه.
في زمن كانت فيه الصحافة مدرسة كان صالح الحاجة أحد أساتذتها الكبار…!
لم يكن يكتب ليثير الضجيج بل ليوقظ التفكير…ولم يكن يبحث عن البطولة لأن البطولة كانت تسكن قلمه.
كان فارسا حقيقيا في بلاط صاحبة الجلالة…يكتب بماء الذهب…!
لا يحمل سيفا…بل يحمل قلما…!

وكان قلمه في كثير من الأحيان أشد وقعا من السيوف.

واليوم كلما عدت إلى مقالاته أدركت أن الزمن يستطيع أن يغيّر الصحف وأن يغيّر العناوين وأن يغيّر الوجوه…لكنه يعجز عن أن يُشيّخ الكتابة الجميلة.
فالكتابة الصادقة لا تعرف الشيخوخة…ولهذا سيظل صالح الحاجّة حاضرا لا في أرشيف الجرائد فقط بل في ذاكرة كل من آمن أن الصحافة يمكن أن تكون أدبا وأن النقد يمكن أن يكون فنا وأن الكلمة يمكن أن تكون وطنا.
لقد كان واحدا من أولئك الفرسان الذين لا يترجلون حتى بعد التقاعد …لأن الفرسان الحقيقيين يبقون واقفين ما بقيت الكلمة الصادقة تنبض في ضمير الصحافة…!
واذا كانت الصحافة التونسية تفتخر بروادها فإن صالح الحاجّة سيبقى واحدا من أنبل فرسانها وأجمل من كتبوا الكلمة بضمير وأدب وجمال…!
وما دام في تونس قراء يعشقون الكلمة الراقية فسيظل اسم صالح الحاجّة حاضرا بينهم لأنه لم يكتب لزمنه فقط بل كتب لكل الأزمنة…!
وسيظل صالح الحاجّة قامة سامقة في الصحافة التونسية ومرجعا لكل من يؤمن بأن الكلمة الجميلة لا تُكتب بالحبر وحده بل تُكتب بالثقافة والموهبة والصدق…وبماء الذهب!
بل إن صالح الحاجّة ذاته … قلمٌ كُتِبَ بماء الذهب!

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى