مهرجان بنزرت: ‘بابا نوال’..مسرحية ‘شكارة’ تحمل هموم كلّ العالم عشوائيا!

كتب: الأمين الشابي
تمنيت لو عنوّن محمد صابر الوسلاتي مسرحيته ‘بابا نوال’ بـ ‘حديث قهاوي’ لكانت أقرب للواقع ولا أحد يمكنه أن ينتظر من أحاديث النّاس في المقاهي الموضوعية والعمق واستخلاص العبرة.
هذا العنوان المقترح ‘حديث قهاوي’ قد يرفع الكثير من اللوم عن المحتوى الضحل لهذه المسرحية باعتبارها عالجت كلّ شيء ولم تعالج أي شيء. فهي عبارة عن “شكارة” تمّ حشوها بمشاكل العالم من غربه إلى شرقه ومن شماله إلى جنوبه بدون ترتيب أولويات. وكأن الهاجس الذي يحمله صاحب العمل هو أن يفرغ كيسه بما يحمله من “مشاكل وهموم” ويترك المتلقي يفرز ما يحمله الكيس من غثّ وسمين..
نعم هذا تقريبا ما عرضته مسرحية “بابا نوال” للممثل محمد صابر الوسلاتي مساء أمس الثلاثاء، 21 جويلية 2026 على الجمهور – الذي لم يتجاوز عدد الحضور فيه الألفين – وذلك في نطاق العرض عدد 3 لمهرجان بنزرت الدولي…
مسرحية كلّ شيء ولا شيء
المسرحية وإن كانت من نوع ” الممثل الوحيد” لم تخرج عن دائرة المواضيع الممجوجة والمتعارفة بل زادها التمطيط المجاني والرتابة الحمل الثقيل على المتقبّل، ممّا دفع بالبعض مغادرة الفضاء قبل انتهاء المسرحية. نعم لقد تعرضت المسرحية لكلّ شيء في العالم. ولم يسلم منها لا الشرق ولا الغرب ولا القارات الخمسة. حتى رئيس فنزويلا وزوجته أخذ نصيبهما. وبعض الدول العربية على غرار سوريا ودول الخليج وبطبيعة الحال مرورا بتونس وعاداتها وتقاليدها. حيث لم يسلم لا عاداتنا ولا هويتنا. حيث تعرض للحمام العربي و”الطياب” وانقطاع السكر والشاي والحليب وقطع الكهرباء والماء وكأن المواطن ينتظر من هذه المسرحية أن تعلمه بذلك ليعرف ما يحصل له….
ليمرّ إلى الوضع السياسي بتونس عبر محطات معيّنة منذ أن وطئت رجلا “بابا نوال ” مطار تونس قرطاج حيث مسح كل المحطات، من السرقات بالمطار و الرشاوي وتشحيم العجلات وبالتالي غياب les caméras لتحديد المسؤوليات و مرورا ببيع الكسكروت العياري ومعاملة سائق التاكسي وصولا إلى شارع الحبيب بورقيبة والحانات و الكنيسة و”المنقالة” المنتصبة هنالك وتمثال الحبيب بورقيبة و ابن خلدون وقمع البوليس لمن ينتصبون عشوائيا.
نقد سياسي مباشراتي
الوضع في تونس كان حاضرا عبر الايحاءات التي يريد بها عكس المنطوق به، من حيث وحدة الدولة والشعب والديمقراطية وغياب الأحزاب، وعبر التعرض للعائلات المتحكمة في مفاصل الاقتصاد التونسي وتسميتها بـ ‘عائلة اللوح’ و’عائلة القهوة’ وعائلة السيارات وغيرها من العائلات..وحتى الإدارة عموما لم تسلم وخاصة إدارات المالية وسلوك الموظفين والبطء الإداري.
المسرح ليس أقراص هضم
كلّ هذه الأوضاع تم رصدها بعين خارجية لـ “بابا نوال” الذي قدم لتونس لتوزيع الهدايا بمناسبة العيد المسيحي وكأنّ تونس دولة تخضع للديانة المسيحية. وهنا أيضا نقول وأنّه من ناحية الشكل لم توفق المسرحية في اختيار الإطار العام الذي تندرج فيه المسرحية والعمود الفقري للأحداث التي تدور في داخله. بل نضيف وأنّ المسرح ليس سردا للأحداث بل التركيز على ما ينخر المجتمع والمساهمة في توعية وإنارة المتقبل والمساهمة في نقدها بطريقة فنّية ترقى إلى مستوى العمل المسرحي الذي تتوفر له الآن كلّ الإمكانات المادّية والتكنولوجية. أمّا البحث عن الإضحاك من أجل الإضحاك فهو يندرج في المسرح الذي يقوم على ” المسرح أقراص هضم لما تنوء به معدات المتخمين”
هوامـــــش
*حركة نبيلة تلك التي قام بها مدير المهرجان، لطفي الصفاقسي، حين لبى طلب أحد المتفرجين – وهو من ذوي الاحتياجات الخصوصية – بدفع كرسيه المتحرك بنفسه ونقله إلى الأماكن الأمامية ليتمكن من مشاهدة العرض بطريقة مريحة.
*كم استبشرنا كثيرا حين اعتبر مدير المهرجان، لطفي الصفاقسي، بأنّه يولي الإعلام أهمية كبيرة ويحترمه.
هذا كلام جميل جدا، ولكن كلامك الجميل هذا يا سي لطفي، رفسه تحت قدميه أحد من تمّ تكليفه بحراسة أحد مداخل الفضاء المسرحي، وذلك لسوء سلوكه مع أحد الإعلاميين. فرغم الاستظهار بشارة الدخول بعد انتهاء المسرحية لحضور الندوة الصحفية لمحمد صابر الوسلاتي إلاّ أن هذا الحارس طلب الخروج من هذا الإعلامي وبالتالي محادثته من وراء الباب الحديدي. بل لم يكتف بذلك وقال له بالحرف الواحد “لو لم تكن رجلا كبيرا لما …..” الرجاء التحري ممن تكلفوهم بحراسة مداخل فضاء المسرح.. فاحترام الإعلاميين لا ينحصر في مدير المهرجان فقط بل في توعية خاصة الحراس بضرورة التحلي بالأخلاق الرفيعة والتعامل بتحضّر مع رُوّاد المهرجان عموما.




