فنون

في جرزونة: (بنزرت): مسرحية ‘Psy’ لجعفور عرّت المستور

مواكبة: الأمين الشابي

أمام حوالي 6 آلاف متفرج غص بهم الفضاء المفتوح لضفة القنال بجرزونة قدم الممثل جعفر القاسمي مسرحيته ‘Psy’ وذلك في إطار مهرجان جرزونة في سهرة السبت 22 أوت 2026.

عبر ‘بنج’ الإضحاك عرت المسرحية العقد
03 image BAS (37)
مسرحية “Psy” لجعفر القاسمي، عرفت كيف تشد حوالي 6 آلاف متفرج لمدة ساعتين من الزمن دون ملل ولا امتعاض من قبل الجمهور، ولا مغادرة قبل انتهاء العرض المسرحي.

وفعلا كان جعفر في تعاطيه مع الجمهور Psy من ناحية الشكل لأنه رسائله المسرحية تم تمريرها عبر ‘بنج’ الضحك و الإضحاك حتى لا يمل المتقبل أطوار المسرحية في زمن طغت فيه وسائل التواصل الاجتماعي على ذهنية المواطن عموما،
ولم يعد يتحمل انتظار الساعات الطوال لعرض مسرحي أو حفل فني. و لكن يبدو وأن ‘جعفور’ نجح في شد الجمهور وأطاح بالضربة القاضية لكل وسائل المنصات الاجتماعية. بل وكرسها لخدمة العرض عبر الهواتف الجوالة للحضور.

أما من ناحية المضمون، فقد أشارت المسرحية إلى أن كل المجتمع التونسي في حاجة إلى psy أمام ضغوطات الحياة المتعددة. و لكن عبر عيادة الطبيب النفساني التي تعالج بطل المسرحية تكشفت العديد من هذه الأمراض التي يعاني منها و من خلاله المجتمع. و لكن بفارق واحد وأن البطل له من الشجاعة لمراجعة الطبيب النفسي عن حالته ولكن الباقي يعلمون أنهم مرضى مثله، ولكن لا يجرؤون على زيارة الطبيب النفسي باعتبار أن المخيال الجمعي يرى في زيارة PSY نوع من ‘الهبال’.. وهنا تكمن العقدة و الفارق.

من حيث المضمون
02 image BAS (15)
المسرحية انطلقت بأغنية للراحل كافون التي تقول مطلع كلماتها ” بسي .. بسي … يداوي الناس اللي ما ضحكوش “… ليؤكد جعفر وأن المسرحية ليست من محض الخيال بل انطلاقا من واقع عاشه شخصيا مع الـ psy الذي كان يعالج عنده خاصة بعد وفاة والدته و صدمته لفراقها.. وهو في انتظار دوره لدى الطبيب تفتقت قريحة جعفر المريض عندما رأى داخل المصحة رجل ادعى أنه الضمير وأنه كان غائبا في أمريكا ليكون ضميرها.. ليسأل جعفر هذا المريض وهل لأمريكا ضمير؟ ولتظهر امرأة قالت أنها تدعى طموح وهي أيضا تعيش بالخارج .. ليسأل ‘جعفور’ المريضة طموح لماذا الكل غادر البلاد، الضمير و الطموح والحلم..؟ ثم يظهر له سائق تاكسي و هو يصيح و يشكو من عدم دوران العجلة لوضع العصا فيها ..ثم رابع وهو ينبح ليسأله المريض جعفور لماذا تنبح بهذا الصوت العالي و لا تكف عن النباح … ليجيبه المريض ‘الكلب’ أنا أنبح من سنين و لا أحد سمع نباحي … وهكذا تتضح مشاكل المجتمع و بالتالي تعريتها بطريقة ايحائية و مضحكة..

ولكن السؤال المركزي الذي يطرحه المريض جعفور على طبيبه مفاده لماذا لم أعد أحلم؟ ليأتيه الجواب لأن الموت الحقيقي هو موت الكف عن الحلم.. ليسأله طبيبه لو كنت حيوانا ما هو هذا الحيوان الذي يناسبك.. ليأتي جواب المريض مباشر وبدون تردد .. أن ‘بهيم’ دكتور.. و لكن من حين لآخر تتخلل المسرحية أغنية حتى لا يثقل على الجمهور و أيضا حتى يواصل تمرير رسائل المسرحية و المتقبل في جو من التخدير.و الأريحية..لتكون أغنية ‘يا سويح’ وليمرر للجمهور موقفه الشخصي حول غيابه عن التمثيل عموما ليجيب على لسان ‘كافكا’ بأن الحياة حفلة تنكرية و أنا حضرتها بوجهي الحقيقي. وهي رسالة مبطنة لاكتساح عالم المسرح لكل من هب ودب.. وتتواصل أطوار المسرحية لتكشف عن قيمة التاريخ في حياة الشعوب و بالتالي لإصلاح الحاضر لابد من قراءة التاريخ. ليقارن عبر هذه المحطة بين الحروب التي خاضها حنبعل ضد الروم في البحر و الحرقة التي يلتهم فيها البحر شبابنا.

ومربط الفرس في هذه المسرحية أن يتجاوز الانسان الماضي و ينظر للمستقبل بكل أمل وتفاؤل و يتخلص من الحمل الثقيل الذي يثقل كاهله و لم لا الذهاب للـ psy ليعينه على ذلك؟ و لكن السؤال الذي بقي مطروحا في آخر المسرحية يقول من هم هؤلاء الناس الذين هم خارج عيادة الطبيب؟ هل هم مرضى و لكن ليست لهم الشجاعة ليتخلصوا من عقدهم خشية أن يرموا بكونهم ‘مهبلة’؟

في الندوة الصحفية

خلال الندوة الصحفية مع وسائل الإعلام كان ‘جعفور’ تغمره فرحة نجاح العرض الذي واكبه حوالي 6 آلاف متفرج و لكنه أبدى أمنية أن يرى في قادم الأيام مسرحا في جهة جرزونة لأنها تستحق ذلك، وأشار بالقول إلى أنه رغم تقديم العرض في فضاء مفتوح، فقد ساد النظام والهدوء، ولا أحد خرج عن النص وهذا دليل على أن أبناء جرزونة يستحقون لفتة من قبل السلط المعنية لتحقيق حلمهم في إنجاز قاعة عروض مسرحية بكل المواصفات الفنية اللازمة.

و عن أسئلة الإعلاميين التي أتت متنوعة قال جعفور و أن في زمننا هذا يصعب شد المتفرج لأكثر من ساعة من الزمن، وأن تمرر له الرسائل التي تهدف لها المسرحية بدون اشراكه وذلك عبر فقرات من التنشيط و التواصل معه. ورأى أن المسرحية تطرح أسئلة في عمق الذات البشرية لأننا لا نجرأ على مصارحة أنفسنا، هل نحن مرضى حقيقة و لنا من العقد الكثيرة..؟
ولكن عادة ما نشير إلى الآخر بدون بدون الاهتمام بكون الاعوجاج في داخلنا؟ و عبر مسرحية psy أردتها أن تكون دعوة لمعالجة أنفسنا من كل العقد و دعوة للحلم بدون حدود و لكن بالعمل و التخطيط و الواقعية.

كلمة أخيرة

رغم الحضور الجماهيري الكثيف لمواكبة هذا العرض المسرحي و بالرغم من كون الفضاء مفتوحا من كل الجهات فقد كانت الأجواء هادئة، والنظام والتنظيم سيد الموقف. وهذا بطبيعة الحال يرجع لجهود أسود الأمن و رجال الحماية المدية و الهلال الأحمر و أبناء الكشافة التونسية ولجنة التنظيم، الذين وقفوا وقفة الرجل الواحد لتأمين هذا العرض و حرصهم على راحة المواطن. فشكرا لكم جميعا .. وهذه هي تونس التي نعشقها، تونس الكلمة الواحدة والرجل الواحد والأمن والأمان…

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى