صدى المحاكم

‘فتاة الملاسين’ تخضع لمحاكمة صارمة أمام ‘محكمة أخرى’…لماذا؟

في قضية ‘فتاة الملاسين‘، لم تعد المعطيات المتداولة مجرد روايات تتناقلها الألسن، فقد كشفت آخر المستجدات المنشورة عن إصدار قاضي التحقيق المختص بقضايا الأطفال بالمحكمة الابتدائية بتونس 2 بطاقات إيداع بالسجن في حق 12 موقوفا، من بين 17 شخصا شملتهم الأبحاث،مع تحديد موعد ثان للاستنطاقات التفصيلية..

كما أفادت المعطيات المنشورة بورود نتائج الاختبارات الطبية التي أثبتت تعرض الضحية للاغتصاب، إلى جانب نتائج التساخير الفنية والطبية وحجز أدلة رقمية ذات صلة بالملف.

أسئلة ساخنة

وإذ نؤكد ضرورة ترك الكلمة الفصل للقضاء، احترام قرينة البراءة، فإن هذه القضية تضعنا أمام سؤال أخلاقي أكثر إيلاما من كل ما يتداوله الناس:
لماذا نسارع إلى محاكمة تربية الطفلة قبل أن نستنكر الجريمة المرتكبة في حقها؟!
لا نعرف تفاصيل حياتها الأسرية، ولا طبيعة علاقتها بوالديها، ولا الظروف التي أحاطت بها، ولا مقدار تأثير وسائل التواصل الاجتماعي في سلوكها..!
لذلك،ليس من حقنا اختلاق الحكايات أو تحويل الظنون إلى أحكام.
وحتى لو افترضنا وجود أخطاء تربوية،أو تقصير أسري،أو تأثيرات سلبية لوسائل التواصل الاجتماعي،فإن شيئا من ذلك لا يبرر الاعتداء عليها ولا ينقل مسؤولية الجريمة من مرتكبيها إلى ضحيتها.
فالطفل الذي أخطأ نرشده، والذي ضل الطريق نأخذ بيده، والذي افتقد الاحتضان نوفر له الأمان، والذي تأثر بمحيطه نعلمه كيف يميز بين الصواب والخطأ.أما حين يتعرض الطفل للعنف أو الاعتداء، فليس من الإنسانية أن نحوله إلى متهم، و نستجوبه اجتماعيا عن تربيته وملابسه وأصدقائه وخروجه وسلوكه..!

أمام ‘محكمة أخرى’!

إن أخطر ما قد تواجهه طفلة الملاسين بعد محنتها، أن تجد نفسها أمام محكمة أخرى لا قضاة لها ولا قانون، محكمة الرأي العام،حيث تتكاثر التأويلات، وتُستباح الخصوصيات،وتتحول آلام الضحية إلى مادة للجدل والتشهير.
وكأن بعضنا يبحث عن هفوة في حياة الطفلة ليجد مبررا نفسيا يخفف به وطأة الجريمة،أو ليقول إن الضحية تتحمل جانبا مما حدث لها..!
نعم، قد تخطئ الطفلة،وقد تُقصر الأسرة، وقد يفشل المجتمع في أداء واجبه التربوي والوقائي، لكن لا توجد غلطة تربوية تمنح أحدا حق الاعتداء على طفلة، ولا يوجد تقصير أسري يُسقط عنها حقها في الحماية والعدالة.
إن مسؤوليتنا لا تبدأ بعد وقوع الفاجعة، بل قبلها، في الإصغاء إلى أبنائنا ومرافقتهم،وتحصينهم من المخاطر، وبناء الثقة التي تجعلهم يلجؤون إلينا حين تضيق بهم السبل، بدلا من أن يواجهوا خوفهم في صمت.
ولنترك للقضاء مهمته في كشف الحقيقة وترتيب المسؤوليات القانونية،بعيدا عن الأحكام المسبقة والتشهير بكل الأطراف.
أما نحن، فمسؤوليتنا أن نكون إلى جانب الطفولة المهددة،لا في مواجهة ضحاياها..!
‘طفلة الملاسين’ ليست مطالبة بأن تكون طفلة مثالية حتى نستحق الدفاع عنها، يكفي أنها طفلة، وأن كرامتها وأمانها حق لا يقبل المساومة.

كفانا محاكمة للضحايا…

ربّوا أبناءكم قبل أن تحاكموهم، واحموا بناتكم قبل أن تبحثوا عن أخطائهن،وتذكروا دائما: الخطأ يُعالج بالتربية،أما الجريمة فيتحمل وزرها مرتكبها، لا ضحيتها.
كفانا محاكمة للضحايا…فقد آن للمجتمع أن يتعلم كيف يحمي البراءة،لا كيف يفتش في جراحها عن مبررات.
وفي النهاية، ليست العدالة أن نفتش في أخطاء الضحية، بل أن نضع الجريمة أمام مسؤوليتها، ونصون كرامة من نالها الأذى. فلنحتضن الطفلة المتضررة بوصفها ضحية تستحق الإنصاف، لا أن نُثقل جراحها بأحكامنا القاسية..ولنتذكر أن جرح الطفولة بالاعتداء لا ينبغي أن يتبعه جرح آخر بأحكام المجتمع، فليس من العدل أن نعاقب الضحية مرتين: مرة بما تعرضت له، ومرة بما نلقيه عليها من لوم وقسوة..!

متابعة: محمد المحسن

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى