عيسى البكوش يكتب: هل الهويّات حقّا قاتلة؟


كتب: عيسى البكوش
اندلع هذه الأيّام في بلدنا جدل حول ترسيم مقدّمة ابن خلدون بلائحة التراث العالمي.
الجدل أو المجادلة هو أمر كان قائما في فجر الإسلام وفي صدره وحتّى عند نزول الكتاب الكريم ‘وجادلهم بالتي هي أحسن’.
ولقد أطنب المفكّر محمد أركون في كتاباته الحديث عن مزايا مثل هذه السجالات التي سمّاها الفلاسفة القدامى Disputato، إلا أنّه لمّا يبلغ الجدل الزبي أي أنّه لمّا يصبح فعلا متشنّجا إلى حدّ التراشق بالنعوت ومن أجلّها في موضوع الساعة المتنكّر، المتنازل، الوائد للهُويّة…
في تعريف الهُويّة
بداية ما الهُويّة (الهاء مرفوعة) إذ أنها مشتقّة من الضمير هو لا مثلما تشمئزّ لها آذاننا عندما ينطقها بعضنا منصوبة، وهو خطأ شائع كان يحذّرنا من ارتكابه الأستاذ النحوي المنعّم عبد الوهاب بكير.
الهُويّة لغة هي أصل الشيء أو الشخص المطلقة المشتملة على صفاته الجوهريّة، وهي تشير فيما تشير إليه إلى مفهومين اثنين: الأصالة والخصوصيّة وبأضدادها تعرف أيضا الهويّة. التثاقف، الاستيلاب والانبتات. هذا عدا ما هو أشنع وأغوى: الاختراق والغزو.
الهُويّة إذن هي ما نُعرف به لدى الآخر المختلف، ولنا في بطاقة التعريف الشخصيّة خير دليل فهي ليست ترجمة حرفية للمنطوق الإفرنجي Carte d’identité ولكنها ترجمة حقيقية للمضمون، فكلّ فرد من المجموعة البشريّة له خصائص ينفرد بها دون الآخرين، تماما مثل الشفرة سواء كانت محصورة في بصمات اللمس أو النظر أو حتى الشمّ.
إلا أنّ الهُويّة إذا كانت مثلما ذكرنا تعريفا فهي محمولة على التعارف.
” يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ”.
سورة الحجرات آية 13.
إذن نحن مختلفون بفضل البارئ المصوّر الذي أحسن كلّ شيء خلقه.
” ومن آياته خلق السموات والأرض واختلاف ألسنتكم وألوانكم إن في ذلك لآيات للعالمين “.
سورة الروم آية 22
هذا ما يتناساه بعض المنظّرين للعولمة، هاته “الجنّة الموعودة” فهم ينزعون إلى حتميّة التماثل والتنميط، وهم يحلمون بتجفيف منابع الهُويّة ويسعون لاستئصال بذور الارتباط.
ولكن هيهات، فالإنسان عصيّ عن القولبة فهو متعلّق بالفطرة، بالأنا. صحيح أنّه قد يتأثّر الناس بثقافة مهيمنة في حقبة زمنيّة ما مصداقا لمقولة مواطننا عبد الرحمان بن خلدون “أنّ المغلوب يتأسّى بالغالب “، وهكذا اعتمدنا الزيّ الإفرنجي والبضائع الغربيّة آنفا والشرقيّة حاضرا.
هل الهويّات قاتلة؟
ولكن رغم ذلك يبقى الإنسان محافظا على بذوره في أعمق أعماقه وهي سنّة الله في خلقه ولن تجد لسنّته تبديلا.
لقد يدفع التعلق المتشدّد بالهويّة بعضنا لمصارعة البعض الآخر وهذا ما أشار إليه بأكثر تحليل الأكاديمي اللبناني- الفرنسي أمين معلوف في كتابه الصادر عام 1998 تحت عنوان مثير ‘الهويّات القاتلة’ Les identités meurtrières ، فهل حقّا هي قاتلة في عالمنا اليوم مثلما كان الشأن في عصور أخرى؟
لا أعتقد والدليل إنشاء منظمة عالميّة إثر حرب 39-45 للمحافظة على التنوّع الثقافي: اليونسكو، وهي المعنيّة اليوم بترسيم المقدّمة الخلدونيّة.
صحيح أنّ ابن خلدون (1332-1406) ولد في تونس ولكنه قضّى ثلثي عمره بين بلدي المغرب والكنانة فلا غرابة أن تلتحق الرباط والقاهرة واسطنبول التي تحتوي على نسخ أصليّة من هذا الأثر ببلدنا لرعاية هذا الطلب الذي أضحى تقديمه عملا وجوبيا.
وعلى كلّ فرائد علم العمران البشري هو في النهاية عالم كوني ويكفيه فخرا أنّه نهل من أمّ الجامعات: الزيتونة وما أدراك ما الزيتونة.




