عيسى البكوش يكتب: محمّد اليعلاوي (1929-2025) ‘أستاذ الأجيال’


كتب: عيسى البكوش
ولد محمد اليعلاوي فوق مرتفعات خمير وبقي ينتقل بين الهضاب من القصبة ـ الصادقية ـ إلى سانت جونوفياف ـ السربون ولعلّ ذلك قد ساهم في شموخ الرجل، ولكن علوّ قامته مردّه العلم الغزير الذي نهل منه في مراحل تعلّمه في تونس الإشعاع وباريس الأنوار.
البدايات
ولد يوم 5 جانفي من عام 1929 في مدينة جندوبة، حيث زاول تعليمه الأساسي، ثمّ بمدينة طبرقة حيث تحصّل على شهادة الدخول إلى التعليم الثانوي، فالتحق بالصادقية عام 1942 وتخرّج منها متحصّلا على شهادة الباكالوريا، فتوجّه عام 1949 إلى فرنسا لدراسة الطب ولكنّه حوّل وجهته إلى الآداب.
عند عودته إلى أرض الوطن درّس في معهد سوسة ثمّ بمدرسة الأساتذة المساعدين ثمّ بالجامعة الحديثة.
ولقد توّجت مسيرته الجامعية بتحصيله على التبريز في اللغة والآداب العربية سنة 1958 ثم دكتوراه الدولة سنة 1973 بفضل أطروحته عن ابن هاني الشاعر الأندلسي المولود في اشبيلية سنة 938 والذي لقب بـ ‘مُتنبّي الغرب’، ولقي حظوة في البلاط الفاطمي في المهدية أيّام المعز وكاد يلتحق به في القاهرة إبّان فتحها لولا أن وافاه الأجل المحتوم ببرقة سنة 973.
ثمّ اكتسب مترجمنا مكانة مرموقة في الجامعة التونسية التي يعدّ من أركانها المتينة وأصبح له عدد وافر من المريدين والطلبة الخُلّص وحصل على ثقة خِلانه وأوفيائه فتحمّل أمانة تسيير كليّة الآداب بين سنتي 1975 و 1977.
‘خطفته السياسة’
ولكن سرعان ما خطفته السياسة فتحمّل وِزر الثقافة لمدّة لم تعمّر ولكنه بالمقابل جلس على مقاعد البرلمان لفترتين متتاليتين نائبا عن موطنه جندوبة، وحقيق أن تنشر يوميّاته كنائب لما تميّز به حضوره في قصر الشعب من رشاقة في الحديث ودقّة في التحليل مع شيء من الدعابة جُبل بها اليعلاوي منذ القدم.
يروى أنّ أحد طلبته تظلّم لديه لحصوله على 8/20 في امتحان الترجمة معترفا له بأنه نسخ النصّ المنشور للأستاذ في إحدى مؤلفاته الصادرة ببيروت فردّ عليه: “وما الغريب في الأمر فذلك هو العدد الذي يستحقه اليعلاوي”.
إنّه لعمري ليصحّ فيه قول علي ابن أبي طالب: ‘من كانت فيه دعابة فقد برأ من الكِبَر’ ولا عجب والرجل كما قدّمنا أن كنت تراه مرفوقا دائما بجليسه ونديمه الأديب الجيلاني بالحاج يحي -وهو من هو- صاحب المؤلفات المتعاقبة عن الهزل في التراث العربي وثاني ثلاثة كانوا ينعتون بالثالوث المقدّس وهو المنعّم أستاذنا الجليل حمّادي الساحلي.
ولكنه الهزل الذي يتبعه جدّ مثلما نبّهنا إليه الجاحظ وهو الهزل الذي قال فيه محمود المسعدي: “ما أثقل الحياة لو لا بسمة الهزل”.
ولقد ذاع صيت اليعلاوي وهذا بيّن من خلال الإبحار عبر الإنترنت كمقدّم للكتب وهو ما ليس بالغريب عمّن أشرف على كمّ هائل من الأطروحات التي نوقشت في الجامعات التونسية والتي نشرت فيما بعد على غرار أطروحة الطيّب العشاش حول “الشعر عند الشيعة”، وكتاب “انطباعات رحلة إلى تونس” للكاتب الفرنسي
ڤي دو موباسان والتي جمعها المنعّم الصديق المنصف شرف الدين :
Il ya en particulier trois passages admirables qui semblent matérialiser la théorie baudelairienne des correspondances ou le fameux sonnet des voyelles de Rimbaud. par la recherche minutieuse des mariages entre les couleurs. les parfums et les sonorités; et ils n’est pas indifférent que de Maupassant se livre à cet exercice pratique dans le Tunis de la fin du siècle. le Tunis des parfumeurs, des souks d’étoffes. de ce pâtre soufflant dans son pipeau « un chant qui s’évanouissait toujours, qui recommence toujours, une romance du mois du mai, comme dira plus tard Aragon.. »
Un air qui toujours recommence. Las ! Ce Tunis-là est bien mort, Allons le retrouver dans ces pages nostalgiques!
Mohamed Yalaoui
بودلير رانبو أراغون: هؤلاء وآخرون هم الشخوص الذين يملؤون فلك اليعلاوي الشعري.
بودلير الذي تفوح من قصائده روائح العطور
‘أيتها المعشوقة الغريبة
سمراء كالليالي
يمتزج في عطرها
عبق المسك ورائحة الدخان
يا وريثة السحر الأسود
يا من ولدت من قلب الليالي الحالكة
كم أتوق إلى رضابك
ظمأ لا يرتوي’
لقد ذكر اليعلاوي في النصّ الذي أوردناه عبارات حميميّة عن تونس العطارين فلا غرابة أن يحنّ إلى عطر المدينة التي أوته منذ صباه فظلّ وفيّا لقلبها جامع الزيتونة الذي بقي نابضا على مرّ الأزمنة رغم عوارض الدهر وأهوال البشر…
واظب على حضور اللقاءات
فكنت تراه في رحاب الخلدونية مواظبا على حضور اللقاءات التي تعقدها عشيّة كلّ جمعة تقريبا ‘جمعية معلم ومواقع’ برئاسة الأستاذ زكريا بن مصطفى وكنت أسعد شخصيا بالحضور إلى جانب وزيرين للثقافة غادرا الوزارة ولكنهما لم يفارقا الثقافة. كما أنّ اليعلاوي، وفاء منه للمدرسة التي بقيت شاهدا على عبقرية رجل فذّ قدم إلى تونس من إسطنبول وعاد إليها وهو يحمل لقب التونسي كان لا يتغيّب عن حضور الاجتماعات التي تلتئم بمقر جمعيّة قدماء الصادقية بنهج دار الجلد أي على مرمى ورد من منارتي التحرير والتنوير.
ترك للأجيال زخما من المؤلفات ولعلّ أبرزها علاوة على ما خطّه في “موسوعة الإسلام”، كتاب ألّفه عن تقي الدين المقريزي (1364-1441) المؤرّخ المصري صاحب “السلوك لمعرفة دول الملوك”، وكتاب يعدّ مرجعا صدر عن دار الغرب الإسلامي ببيروت سنة 1984: “100 Textes français avec leur traduction en arabe”.
إلى حدّ أنّ زميلته المنعّمة منيرة الرمادي شبوطو لقّبته عندما رحل عنّا بـ” انّه مقريزي القرن العشرين” وذلك في نصّ مرثية صدر بموقع Leaders يوم 15 أوت 2015.
توفّي رحمه الله غرّة جويلية 2015 ودفن من الغد في مقبرة سيدي الجبالي بأريانة وأبّنه العميد حميّد بن عزيزة.




