صالون الصريح

عيسى البكوش يكتب/ الشاذلي بن عبد الله (1914-1997): الشاعر الذي تلهج أبياته عشقا لمدينة تونس العتيقة

issa bakouche
كتب: عيسى البكوش

كيف نشفى من حب تونس؟
هكذا صدح أحد المفتونين ببلدنا وهم كُثر…

كذلك الشأن بالنسبة لحب حاضرتها المحروسة ومن بينهم ولعله من أبرزهم رجل لم يولد بها ولكنه سكن بها طوال عمره فسكنت في وجدانه وتمكنت من تلابيب فؤاده.
هو الشاذلي بن عبد الله المولود بمدينة رأس الجبل في الثالث عشر من شهر جانفي من سنة 1914 أبوه عبد الله المهناوي الجربي وأمه صلوحة زعيّم.
زاول تعليمه الابتدائي بالحلفاوين قبل أن يُطرد منها ويمنع من الالتحاق ببقية المدارس لفعل ‘مشين’ اقترفه وهو في العاشرة من عمره إذ أنه مثلما يروي في مذكراته تجرأ على ثلب الدولة المستعمرة وخطّ ذلك على سبورة القسم ولأجل ذلك تقدم لمناظرة شهادة ختم الدروس الابتدائية بصفة حرة وتحصل عليها واكتفى بها.
ساعد أخاه الأكبر عزوز وهو كاتب عمومي بباب سويقة.

دخل الصحافة

ثم عندما اشتد عوده وقلمه ساهم في تحرير بعض الفصول بجريدة Le petit matin وذلك على امتداد خمس سنوات من 1950 إلى 1955.
ولقد كان نجح من قبل في مناظرة انتداب أعوان ببلدية تونس وذلك عام 1939 . انطلقت مسيرته الشعرية بالانتساب إلى دوريتين: les carnets nord-Africains الصادرة في الجزائر وle journal littéraire الصادر في طنجة بالمغرب الأقصى.

أحيل على شرف المهنة

على إثر إحالته سنة 1970 على شرف المهنة التي كان يباشرها تفرغ للكتابة بعدد من الصحف السيارة وبالاساس جريدة La presse حيث كان له ركن قار تحت عنوان Un passé simple ثم ركن آخر تحت عنوان Miel sans fiel وأخيرا Entre le zist et le zest .
وهي لعمري عناوين تدل دلالة قاطعة على شاعرية الرجل وعلى تمكنه من دقائق اللغة الفرنسية التي يكتب بها وهي مثلما يرويها من قبل الجزائري كاتب ياسين “غنيمة حرب” إذ أنه رغم عدائه للمستعمر فإن شاعرنا الشاذلي يغتنم تمكنه من لغته ليعبر للناطقين بها عن اعتزازه بوطنه وعلى تعلقه بموروثه.
كما أنه ساهم في تحرير عدد من المجلات على غرار la gazette touristique لصاحبها التيجاني الحداد ونشريات Media-Edition للمنعم عز الدين منصور.

فرد في صيغة الجمع

أصدر عددا من الكتب والدواوين ومن بينها Feux Mêlés من منشورات La borée باريس عام 1952 و Fantasia من منشورات Janus بباريس عام 1955 و Tunis au passé simple عن الشركة التونسية للتوزيع و Khourafet عن دار عليسة عام 1997 وRythmes de Tunisie تحصل به على جائزة وزارة الثقافة.
وبالخصوص كتابه الرائع Tunis Rogabouche عن دار Serviced لصاحبها المنعم نور الدين القاسمي عام 1996 وقد قدّمه في رحاب بيت الحكمة يوم 29 جوان من تلك السنة، وهذا السفر محلى برسوم للفنان عبد العزيز القرجي (1928-2008).
ومن قبل أن يتمّ المرء قراءة آخر النصوص فإنّ الشاعر يلفت نظره لهذا الرثاء من تحت اللحد:
Mais le passé l’on ne peut faire revenir
L’on ne peut être et avoir été…
Tandis-que sous une dalle allongé
Pour toujours, je me reposerai.
كما أنّه أبقى عددا من المخطوطات من بينها Le venin des hommes et c’est écrit sur le front.
الشاذلي بن عبد الله هو فرد في صيغة الجمع. لقد تعدّدت مواهبه وتفتقت إبداعاته فتمخضت كمّا من الشعر والنّثر.
وعلى الرغم من ذلك قلّما تذكره المدوّنة الأدبيّة التونسية اللهم إلا إذا استثنينا الكتاب الجامع
ـ تونس حاضرة عربية ومتوسطية ـ الذي انجزته وزارة الثقافة والذي أوردت فيه اسم مترجمنا في الفصل الذي تشرّفت بتحريره تحت عنوان “الحركة الأدبيّة في النصف الأوّل من القرن العشرين”. ولقد شرّفني ما اقترفه الصديق عبد العزيز الدولاتلي المشرف على هذا العمل الجلل عندما صدّر الكتاب بأبيات حميميّة تقطر حبّا وهياما بمدينة تونس وهي من نظم هذا الشّاعر المتيّم بها:
Tunis dont chaque rue est un poème
Dont chaque boutique est un tableau.
Dirais-je combien je t’aime.
لقد رسم الشاذلي بن عبد الله بقلمه أجمل اللوحات المقروءة والتي ترصد جوانب مضيئة من تراثنا المادي واللا مادي.
ولمّا كان الأمر كذلك فالرأي عندي هو ضرورة جمع الأعمال الكاملة للفقيد الفذّ الذي غادرنا رحمه الله نحو عالم أفضل يوم 21 مارس 1997.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى