عيسى البكوش يكتب/ الجيلاني بالحاج يحي (1929-2010): صاحب القاموس المدرسي وتراجم لروّاد مدينتي


كتب: عيسى البكوش
‘قد عوّدنا المحقّق على نزاهته وجدّه سواء فيما نشره بالاشتراك أو على انفراد كما عوّدنا على سعة اهتماماته، فبعد الأدب وتحقيقه لخريدة القصر وجريدة العصر، ودراسته الشاعر القيرواني علي الحصري، وتاريخ معالم التوحيد، وبعد إسهاماته اللغويّة في “القاموس الجديد للطلاب” و”القاموس المدرسي” و”المعجم العربي الأساسي” و”الرصيد اللغوي العربي”، تراه اليوم يتّجه إلى التاريخ الاجتماعي والحضاري”.
هكذا قدّم المنعّم محمد اليعلاوي (1929-2015) لكتاب “العادات والتقاليد التونسيّة” لمحمّد الحشائشي.
ويضيف اليعلاوي بكلّ ظرف: ‘هذا الكتاب مفيد للتونسيين أوّلا وبالذات إذ يعطيهم معلومات عن بلادهم هم يجهلونها إذا كانوا شبابا أو كهولا أو نسًوْها إن كانوا شيوخا طال بهم العمر’.
البدايات
ولد الجيلاني بالحاج يحي في اليوم الحادي والعشرين من شهر جوان من عام 1929 بميدون في جزيرة جربة وبها زاول تعليمه الابتدائي قبل أن ينتقل إلى الحاضرة لمواصلة تعليمه في جامع الزيتونة إلى حسن تخرّجه عام 1949 بإحرازه على شهادة التحصيل، ثمّ تابع دروس معهد الدراسات العليا ونال كذلك شهادة الكفاءة البيداغوجية بمدرسة ترشيح المعلمين فعُيّن معلّم تطبيق بمدرسة نهج التريبونال ثمّ متفقّدا للتعليم الابتدائي، ولكن تعلقت همّته بما وراء ذلك فتابع دروس معهد أمناء المكتبات بجنيف بسويسرا، والذي تخرّج منه فالتحق بمنظمة اليونسكو كخبير في هذا المجال.
في وزارة الثقافة
ثمّ التحق بوزارة الشؤون الثقافية وعيّن مديرا للمكتبات العمومية بعد أن أُلحق سابقا بدار الكتب الوطنية كمساعد لأمينها المنعّم عثمان الكعّاك، كما أنّه شغل خطّة رئيس مصلحة التعليم بديوان تعليم الكبار، وعُيّن مستشارا بوزارة الثقافة في عهدي المنعمين البشير بن سلامة وزكرياء بن مصطفى قبل أن يُحال بطلب منه على التقاعد للتفرّغ للتأليف والتحقيق حسب إرادته.
شغف بالتأليف منذ بداية الستينيات بالاشتراك فكانت ‘معركة الزلاّج’ سنة 1961 و”الطاهر الحدّاد” سنة 1963 و”أبو الحسن الحصري القيرواني” عام 1974 و”معارضات قصيدة يا ليل الصبّ متى غده” وجميعها مع رفيق دربه المنعّم محمد المرزوقي (1916-1981)، ثمّ التحقيق فكانت ” خريدة القصر وجريدة العصر” للأصفهاني سنة 1966 بمعيّة صديقه محمد العروسي المطوي (1920-2005) الذي قال عنه مترجمنا في شهادة: ‘لقد امتدّت بذرة هذه الصداقة في عام 1949 يوم أصدرت مجلّة ‘وحي الشباب’ فكان محمد العروسي المطوي رئيسا لتحريرها وصولا إلى نادي القلم الذي كان ترأّسه وكنت أنا كاتبه العام.
انطلق في مغامرة ‘المناجد’
كما حقّق الجيلاني بالحاج يحي تاريخ معالم التوحيد لمحمد بلخوجة بالاشتراك مع رفيقه المنعّم حمادي الساحلي، ثمّ “تاريخ جامع الزيتونة” عام 1985 و”صفحات من تاريخ تونس” وأخيرا “العادات والتقاليد التونسية” لمحمد الحشايشي عام 1996.
ثمّ انطلق في مغامرات حياته: المناجد فكان القاموس الجديد للطلاب عام 1979 و”القاموس المدرسي” عام 1981 و”القاموس الجديد الألفبائي” عام 1997 و”المعجم العربي الأساسي” بإشراف منظمة الألكسو.
يقول أحمد الحمروني في المجلة الصادقية في عددها 55 لسنة 2010 في هذا الصدد: ‘حقّ لتونس أن تفخر بإسهامه في المعجميّة العربيّة ذودا عن اللّغة والدين والحضارة والهويّة’.
ثمّ مال إلى الأدب الهزلي فنظم فسحات في أدب الفكاهة والظرف فكان ‘ترويح النفوس’ سنة 1997 وفي نفس العام ‘أنيس الجليس’.
يقول عنه في المقدّمة: ‘حياة من غير ضحك حديقة من غير أزهار’.
ثمّ “النديم” أو “الضحكة الحلوة هي شمس مشرقة في البيت” عام 1998.
يقول عز الدين المدني في تقديمه لهذا السفر: ‘يأخذك هذا الكتاب من يدك برفق و أناقة الأحباب والظرفاء إلى النزهة عبر هذه الحديقة المترامية الأطراف، فاذهب حيثما شئت في هذا الجنان وافقد نفسك في مسالكها فإنّك ستظفر بها عابثة ضاحكة ولا غضاضة ولا حرج”.
ومن هذا الجنان نقتطف ملزومة للشاعر عبد المجيد شيشه عن “كدس الفريب”:
بك جاد الله يا كدس “الفريب”
يا ملاذ المرء في الظرف العصيب
زينة الأسواق في كلّ البلاد
عموما في شمال وجنوب
بالخيرات بأرض بعثرت
في امتزاج مثل “حمص وزبيب”
نِعم يا كدس شتى جمعت
فيك لا ينكرها كلّ لبيب
ثمّ هذه الطرفة من نوع المزاح الأسود حسب العبارة الإفرنجية ” Humour noir”
سمع سعد زغلول الزعيم المصري أحدهم يطعن في بعض الأشخاص الذين تنقلوا بين الأحزاب فقال لمن حوله: بالعكس أراه من أصحاب المبادئ النظيفة! فدهش الحاضرون فسألوه: وكيف ذلك؟ فأجابهم : لأنّه دائما يغيّرها حتى لا تتسخ!.
قال أحدهم فيما اقترفه الجيلاني بالحاج يحي في مجال الهزل: ” إذا ما استوت الزندقة بلاغة وتحوّل المروق فكاهة انتفت حجّة الكفر ربّما لاعتقاده أنّ الركاكة هي وحدها التي كادت أن تكون كفرا.
تراجم روّاد جربة المنسيين
انطلق المنعّم الجيلاني في أواخر حياته في إعداد تراجمه من الروّاد المنسيّين لأبناء جزيرته كالبشير الفورتي (1886-1951) عميد الصحافيين في تونس، وسليم الجادوي (1871-1951) الذي حرص على إعداد ملتقى سنوي له بآجيم، والكاتب التيجاني بن سالم (1896-1973) وكذلك الشأن بالنسبة للزعيم الكبير صالح بن يوسف (1907-1961).
لبّى الجيلاني بالحاج يحي رحمه الله نداء ربّه يوم 27 أفريل 2010
وانتظم ابتداء من سنة 2015 ملتقى سنوي بجربة تخليدا لأثره وهو الذي كان يواكب ملتقيات مماثلة لـ علماء جربة وأدبائها من أمثال محمد فريد غازي (1929-1962) والبشير التليلي (1935-1986).
أثنى أحمد الحمروني على مناقب الرّاحل:” لقد ناضل بالقلم وهي صفة متجلية في كتبه عن المتميزين من ‘الجرابة’ لا طمعا في الربح المادي كالكثيرين”.
لقد كان يردّد أمامي: ‘أنا وأنت من فصيلة الجرابة ‘الفالصو’ لأننا لا نأبه بالمال بقدر ما نُعنى بالقلم فأقول قولتي هذه: ‘إنّ سلوانا أنّ المال فان وأنّ القلم الذي أقسم به الخالق باق ما بقي قارئ وقارئة فوق البسيطة’.




