صالون الصريح

عيسى البكوش يكتب/ إبراهيم الغربي (1920-2018): الطبيب الذي نذر حياته لخدمة الناس

issa bakouche
كتب: عيسى البكوش
من الناس من يمرّ على هذه البسيطة مرور الكرام، ومنهم من يترك عليها بصمات لا يمحوها الزمان.
هم أناس – رجال ونساء- غرس فيهم الخالق بذرات العطاء والسخاء لغاية إفادة نظرائهم من بني آدم وإسعادهم.
ومن بين هؤلاء، أو قل من أبرزهم بحسب تقديري الدكتور إبراهيم الغربي، فهو الطبيب الذي نذر حياته لخدمة المجموعة في عديد المجالات.
البدايات
ولد سي إبراهيم يوم 19 ديسمبر من سنة 1920 بمدينة قليبية.
باشر تعليمه الابتدائي بمدرسة نهج دار الجلد بالحاضرة، ثمّ درس بمعهد كارنو حيث تحصّل على شهادة الباكالوريا.
انتقل إثر ذلك إلى عاصمة الجزائر لمزاولة التعليم العالي في كلية الطب، ثمّ ارتحل إلى باريس حيث نال شهادة الدكتوراه في اختصاص الأمراض الصدريّة سنة 1950 وقد تناول في أطروحته علاج السلّ الرئوي، عاد على إثرها إلى أرض الوطن فانتدب طبيبا بمستشفى الأمين باي بباردو الذي أصبح يحمل اسم أبي القاسم الشابي قبل أن يعاد توظيفه كقصر للفنون والآداب.
مسيرة متميزة
تمّ تكليفه من قبل وزارة الصحّة بإعداد حملة قوميّة لمقاومة السلّ، فانطلقت على يديه عمليّة مسح شامل لكافة المناطق بمعيّة أخصائيين أشرف هو على تكوينهم.
ثم أنشأ فيما بعد قسما لمعالجة أمراض السلّ بالمستشفى العسكري بالعمران وانتقل بعد ذلك إلى مستشفى شارل نيكول حيث عمل رئيس قسم الأمراض الصدرية ما بين 1960 و1964 بعد أن كان له الشرف في إنشاء معهد أريانة الذي قام بتدشينه الرئيس بورقيبة يوم 25 فيفري 1958 صحبة وزيره للصحّة المنعّم أحمد بن صالح والذي اختير له من الأسماء اسم الطبيب الشهيد عبد الرحمان مامي (1954/1904) وقد تولى إدارته الدكتور إبراهيم الغربي من سنة 1964 إلى سنة 1986 عندما أحيل على شرف المهنة.
ولقد تردّدت على مكتبه في قسم “ابن النفيس” عندما تحمّلت وزر مدينة أريانة، ولكن ويا حسرتاه … فلقد أضحى هذا القسم نسيا منسيّا إذ أنّ معاول الهدم قد طالته في غفلة منّا.
لقد نال معهد أريانة سطوة كونيّة بفضل البحوث التي قدّمت في الخارج من طرف سي إبراهيم وثلّة من النجباء من أمثال الدكاترة محسن معالج والطيّب الغربي وعبد اللطيف شابو.
ناشط جمعياتي
وتزامنا مع هذه المسؤولية الجسيمة، فلقد كان سي إبراهيم من أنشط الفاعلين في جمعيّة تعنى بمقاومة أمراض السلّ أسّسها المنعّم الوزير الأكبر محمد شنيق (1889-1976) ثمّ ترأسّها ابنه المنعّم مصطفى وهي الرابطة التونسية لمقاومة السلّ والأمراض الصدريّة وكان مقرّها بأريانة، وكثيرا ما آوى مقر البلدية اجتماعاتها بعدما شرّفني اعضاؤها بضمّي إليها سنة 1982.
ولقد أسّس سي إبراهيم صلب هذه الرابطة خليّة لمكافحة التدخين عرض عليّ رئاستها وهو يواكب أنشطتها ومن بينها مشاركتنا في الندوات العربية في ذلك المجال التي التأمت تباعا في عمّان وبغداد ودمشق، وكانت الرابعة مبرمجة للانعقاد في تونس ولكن ما كلّ ما يتمنّاه المرء…
وعلى كلّ فقد أمكن لنا تمرير قانون منع التدخين في الأماكن العامّة وفي وسائل النقل، ولقد قدّمته شخصيّا إلى رئيس مجلس النوّاب آنذاك المنعّم الحبيب بولعراس (1933-2014).
تواضع العلماء
ذكرت هذه المحطّة لتبيان حقيقة سرمديّة وهي تواضع العلماء إذ أنّ سي إبراهيم كان طوال حياته يؤثر على نفسه ويفسح المجال للآخرين ممّن يستنجبهم للبروز.
إلى جانب مهنته أو بالأحرى رسالته كطبيب، فلقد انصهر في العمل المجتمعي بانضمامه أوّلا إلى مجلس العمادة ثمّ ترأسه لها ابتداء من سنة 1969 إلى سنة 1985.
ثمّ ومن قبل ذلك تأسيسه سنة 1952 صحبة زملائه من أمثال المنعّمين علي الفوراتي والطاهر الزاوش لنقابة الأطباء التونسيين وترأسّه لها.
سنة 1956 يؤسّس مع نظرائه جمعية الهلال الأحمر، ثمّ يترأّسها عند تفرّغه ابتداء من سنة 1989، وبلغ الهلال التونسي في زمانه أوجه وأصبح منيرا في سماء البلاد وحتّى في سماوات أخرى.
تولى بالموازاة رئاسة إقليم أفريقيا للرابطة العالمية لمقاومة السلّ والأمراض الصدريّة.
درّس أجيالا من الأطباء
يعدّ الفقيد أحد أعمدة كليّة الطب بتونس، ولقد درّس أجيالا من الأطباء، كما أنّه درّس بكلية الطب بصفاقس وكذلك بكلية مرسيليا بفرنسا.
أحرز بفضل عمله الدؤوب وبحوثه العديدة أعتى الجوائز والأوسمة ومن بينها جائزة بورقيبة للطب عام 1984 وجائزة المنظّمة العالمية للصحّة.
ترأّس هيئة حكماء الترجي الرياضي الذي لم يتخلّف إلا نادرا عن متابعة مقابلاته. ولقد كان يعود للغرض كلّ أحد إلى العاصمة قادما من موطنه قليبية بعد أن يكون قد أمضى عشيّة السبت بإحدى مقاهي مدينته صحبة أترابه الذي عاشرهم في طفولته.
تكريم في قليبية
هاته المدينة التي لم يكن ليتخلّف عن حمل أمانتها بين سنتي 1960 و1969، ولقد ردّ أبناؤها أخيرا وقبل رحيله قليلا من الجميل عندما قرّر المجلس البلدي إعطاء اسمه لأحد شوارع قليبية، وقد شرّفني أصدقائي فيها بدعوتي لحضور هذا الحدث الجليل إذ أنّه قلّما يُعترف لذوي الفضل في قائم حياتهم. ولقد كان الفقيد متأثّرا لهاته اللفتة التي تُغنيه عن مال الدنيا وما فيها، فلقد كان يردّد “أنا سعيد عندما أرمق ملامح السعادة على وجوه مرضاي وهم يكنّون لي المحبّة والعرفان”.
فطوبى لأبناء ‘الدخلة’ لردّ التحيّة لهذا العلم الذي نُباهي به معشر الذين أدركناه فأحببناه وحسبنا أنّنا مشينا على خطاه.
توفي رحمه الله يوم الاثنين 12 فيفري 2018، ودُفن من الغد في مقبرة سيدي علي النوالي بقليبية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى