عندما يصبح مهرجان قرطاج..مهرجان ‘الترند’، فعلى الثقافة السلام..

كتب: عزالدين الباجي
تواصل معي في الساعات الأخيرة عدد من الأصدقاء من مختلف الأوساط، متسائلين عن رأيي في برنامج مهرجان قرطاج الدولي، وعن سبب امتناعي عن نشر مقال في الموضوع.
وكان جوابي واحدًا وواضحًا: إنني لا أكتب في الشؤون الخاصة بالأفراد، ولا في اختيارات الجماعات، ولا تعنيني البرامج الفنية ذات الطابع التجاري حتى أقيّمها أو أناقشها. فلكل جهة الحق في رسم توجهاتها، ولكل جمهور الحق في اختيار ما يستهويه.
المصلحة العامة أولا
أما أنا، فقد اخترت منذ سنوات أن يكون قلمي منحازًا إلى الشأن الثقافي بمعناه العميق، وإلى السياسات الثقافية، والرؤى، والمؤسسات، وقضايا الإبداع والهوية، وما يتصل بالمصلحة العامة. لذلك فإن ما أكتبه لا يستهدف الأشخاص، ولا ينشغل بالبرامج الفنية التجارية، وإنما ينصرف إلى الثقافة باعتبارها مشروعًا حضاريًا ورسالةً تتجاوز منطق السوق.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وللتذكير، فهذه هي السنة الثانية على التوالي التي يُقام فيها مهرجان قرطاج الدولي دون تعيين مدير فني، وهو أمر يطرح أكثر من سؤال حول موقع الرؤية الفنية في إدارة أحد أعرق المهرجانات العربية والإفريقية.
أما السيدة الفاضلة التي قدّمت الندوة الصحفية، فهي مدير تنفيذي، وهي خطة إدارية وتنظيمية لا علاقة لها بالاختصاص الفني. ولذلك فإنني لا ألومها على استعمال مصطلح ‘الترند’، لأن علاقتها بالمجال الثقافي، بحكم طبيعة مسؤولياتها، هي علاقة أرقام ومناشير وإجراءات تنظيمية، لا علاقة رؤية فنية أو مشروع ثقافي.
واللوم، في تقديري، لا يقع عليها، وإنما على من فوّض إليها تقديم التصور الفني للمهرجان، في غياب مدير فني يُفترض أن يكون هو المتحدث باسم فلسفته وتوجهاته.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
‘الترند’ في مهرجان قرطاج!
ولعل أكثر ما استوقفني هو استعمال مصطلح «الترند» في تقديم برنامج مهرجان قرطاج. فهذا المصطلح لا ينتمي إلى قاموس الثقافة، ولا إلى لغة النقد الفني، وإنما هو مصطلح تسويقي يقوم على منطق الانتشار والاستهلاك وصناعة الرواج.
وعندما يصبح «الترند» هو المفهوم الذي تُقدَّم من خلاله برمجة مهرجان يحمل اسم قرطاج، فإن الأمر لا يتعلق بمجرد اختيار لفظي، بل يكشف عن تحول عميق في فلسفة المهرجان، وانتقاله من فضاء الثقافة إلى فضاء السوق.
وعندما يصبح مهرجان قرطاج مهرجان «الترند»، فعلى الثقافة السلام.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ومن هنا، فلا رأي لي في البرمجة الفنية للمهرجان، لأنني لا أكتب في المشاريع التجارية، ولا أدّعي الإحاطة بمنطقها وآلياتها. لقد اخترت أن أكتب في الثقافة، وللثقافة، وأن أدافع عن رسالتها ودورها في بناء الإنسان.
أما التجارة، فلها أهلها، وهم أدرى بشؤونها.




