علمتني الصحافة

كتب صالح الحاجة
اللهم لا حسد …
انا لا احسد راديو موزاييك على ما يجنيه يوميا من أموال الإشهار ..
لا احسده ولكنني اغبطه ..
منذ الصباح الباكر وعلى امتداد سنوات طويلة يمرر هذا الراديو كمية ضخمة من الاعلانات والاشهارات ..
ولا أظن ان هناك وسيلة اعلامية في تاريخ تونس استطاعت ان يكون لها هذا الكم المهول من الإشهار عن سلع تبدأ من الهريسة وتنتهي عن ماركات السيارات الفخمة ..
لا أظن بل لا اعتقد …
هذا الراديو حقق مالم يحققه غيره من راديوات وتلفزات وصحف …
انه يجمع يوميا ما يوضع على طاولة الإشهار ولا يترك لغيره إلا الفتات ..
له نصيب الأسد وللبقية القليل …
ولم يأت هذا النجاح صدفة اوهدية وانما جاء لانه راديو مسموع ..
راديو عنده شعبية ..
راديو يسكن في ” وذنين ” الناس …
صحة ليه ..
ولكن انا اللي محيرني وسارق النوم من عيني انه ليس الوسيلة الاعلامية الوحيدة الناجحة في تونس …
علاش هو فقط؟..
علاش برشة وسائل اعلامية ناجحة وتحقق مساحات هائلة من الانتشار ويحبها الناس لا تحظى بنصيب هام من الإشهار ..؟
علاش وسائل يحبها ويتابعها الالاف من التوانسة ومع ذلك ماعندهاش اشهار …وتعاني من قلة المداخيل وتعيش على الديون …وهز ساق تغرق الاخرى ..
وانني اتكلم عن الصحف بالذات التي تعاني ما تعاني …
انك تفتح الصحيفة فتكاد لا تعثر على ربع اعلان ..ولا اقصد اعلانات الدولة …انني اقصد اعلانات القطاع الخاص …أعني ” الهبرة ” بالذات …
ووسيلة اعلامية بلاش اشهار …بئر لا ماء فيه …
لا يمكن ان تستمر لان الإشهار هو من يمدها بالاكسجين …بل هو من يشغل موتورها ..
الإشهار في الصحافة الخاصة هو الحياة …هو العمود الفقري …
كنت اعرف مدير صحيفة عندما يفتح صحيفته كل صباح لا يبحث فيها إلا عن الاعلانات …ولا يهتم بالاخبار والتحاليل والموضوعات فسألته : لماذا كل هذا التركيز على الإعلانات…؟ قال لي بسرعة : الاعلانات هي الخبز والبقية ماء سبالة …
وقد فهمت بالتجربة والمعاناة ان الاشهار ليس خبزا فقط …
انه الروح ..
انه الوجود ذاته ..
ان الوسيلة الإعلامية الخاصة تنتهي في لحظة الشح الاشهاري ..
وقد حدث في تونس كثيرا ان ماتت جرائد ومجلات لأنهم استخدموا ضدها سلاح تجفيف منابع الإشهار الخاص والعام …
ولذلك انتشرت في الميدان الإعلامي عبارة ” اخنقوا “…ومعناها قص عليه الهواء او الاوكسجين ..
والهواء هو الاشهار …و ” ماتخليهش يتنفس “..
وانا لا أحد يستطيع ان يقنعني بأن الإشهار في تونس يقوم على الموضوعية والنزاهة والإنصاف خصوصا في ما يتعلق باشهارات القطاع الخاص ..
هناك سماسرة يتحكمون في الميدان …
هم الذين يوزعون الاشهارات حسب مصالحهم وامزجتهم وحسب حتى خلفياتهم السياسية …
نعم اعرف احد السماسرة ” يساري زعمة زعمة ” يكره رأس المال لكنه يحب من عندهم المال من رجال الأعمال ويتعامل معهم ويوزع اشهاراتهم على بعض وسائل الإعلام التي لا تعادي – في رأيه _ اليسار ..
وبرة انت حاول ان تفهم ها الملوخية بالمايونيز ..
من ناحية يسار وشيوعية وطبقة كادحة وصراع طبقات ومن ناحية اخرى بيزنيس يقوم بالأساس على الرشوة …وهذا منا …وهذا علينا …ومحسوبية …وعلاقات مشبوهة …
وانا لا احب ان اخوض اكثر في التفاصيل لأنني كنت ضحيتها واتالم عند العودة إليها ..
وربي يسامح …
اما الاكيد فان سماسرة الاشهار ساهموا مساهمة فعالة في الاضرار باوضاع معظم المؤسسات الاعلامية …وهناك منها من تدمر وانتهى أمره …وهناك من دخل السجن بسبب تراكم ديونه …
وكم احترت …وكم تساءلت …وكم بحثت ..
كنت دائما اتساءل كيف تذهب الاعلانات الى وسائل اعلامية ” ميتة ” ليست لها قاعدة شعبية وغير مؤثرة بينما لا تحظى وسائل اعلامية اخرى عندها جمهور ووجود شعبي وحضور ولو بالقليل من الاعلانات ..
كنت ” ندوخ ” عندما اتصفح بعض المجلات واجد فيها صفحات ماشاء الله من الاعلانات على كل ياكريمة …ويدفعون لأصحابها أثمانها بسخاء وبسرعة البرق..و” ايجا هز برك ” …
” ندوخ ” ولكنني لا افهم …
أما لماذا لا افهم بينما المفروض في شخص مثلي ابن الميدان ان يفهمها وهي طايرة …ثم ان المسالة واضحة لا تستدعي برشة ذكاء لفهمها ..
واصر على قول لا افهم لانني ارفض ان اتهم الناس فالله أعلم ..
ولكن الثابت ان هناك خلفيات …وحكايات ..ومصالح …واسرار …ومصاهرات …و” شيلني واشيلك “…
انه عالم ” بيرو غارق ” …وطاح في البير ومازالوا ما طلعوهش ..




