علمتني الصحافة…

كتب صالح الحاجّة
كنت كثيرا ما امر على سوق العطارين وإمام جامع الزيتونة ونهج الكتبية وعند نقطة معينة اتوقف قليلا وانظر الى يميني فأرى مشهدا يلخص لي الدنيا كلها ..
دنيا ظالمة وخائنة وليس فيها امان وفلسفتها : وتلك الايام نداولها بين الناس ولكننا نحن البشر نكابر …وننسى …نغالط أنفسنا …ونتفرعن …ويكبر بداخلنا الشعور بالزهو والخيلاء …ويذهب في ظنك مذهب اليقين اننا اقوياء …جبابرة ..( ما ينجمنا حد)..
ارى المشهد فتصيبني البهتة ..ويضيق صدري …واتالم …
انني ارى شبحا يتوسط مكتبة تسبح في الظلام …
وهذه المكتبة عبارة عن حانوت صغير وضيق قديم ولا شيء فيه إلا كمية رهيبة من الكتب والمخطوطات ..
كتب قديمة بعضها ممزق ..ومخطوطات صفراء هاربة من ماض سحيق ..
والاهمال يحكم المكان ..واللامبالاة تكاد تنطق ..
وصاحب المكتبة يجلس على كرسي محطم بفعل القدم ..
يجلس وبصره يعكس ما بداخله من تشتت ذهني وقلق وضياع وشعور بالقهر والهزيمة والضعف ..
انه يبيع الكتب القديمة ..ولكن لا بيع ولا شراء سوى الذكريات القديمة …
أشفق على الرجل ..أتقدم نحوه ..أقف بالباب …اسلم عليه فلا يرد ..ولا يتحرك من مكانه …ولا يشعر بوجودي ..
اساله عن كتاب معين فيشير برأسه علامة النفي والغضب ..
اتجول ببصري في الحانوت الذي تتصاعد منه رائحة الشتاء والمياه الراكدة ..
اعود لاساله : شنوة احوالك يا شيخ ؟
فينظر الي نظرة لامبالاة :
وانت منين تعرفني تسال فيا على احوالي …هيا توكل وما عادش تجيني …
وانسحب بهدوء تاركا الرجل يواصل تحليقه في فضاء الاوهام …
وما من مرة وجدت عنده حرفاء ..
لا شيء عنده إلا الفراغ ..
عجوز يتنفس بصعوبة …ويتحرك بمعجزة …ولا يفعل شيئا غير الجلوس وسط كتب لم يقرأها ..
هل تعرفون من هذا الشخص الذي كنت أتوقف عنده في الستينات والسبعينات ؟
انه صحفي من جماعة تحت السور ..
اشتغل بالصحافة وأصدر جرائد كثيرة وكانت له صولات وجولات وكثيرا ما حدثني عن تاريخه سي الهادي العبيدي …
وذات يوم ذهبت كالعادة فوجدت ” الحانوت مسكر “…
سألت فقيل لي : ربي يرحمو …
وجدوه فوق الكرسي يبكي …وما ان اقتربوا منه حتى فاضت روحه ..
مات وترك ورقة : احرقوا كل كتبي وضعوا رمادها معي في قبري ..
ربي يرحمو ..كنت أشفق عليه ..
ولما اخبرت سي الهادي العبيدي بخبر وفاته بكى مثل طفل هربت عنه امه..
يومها صار سي الهادي العنيد …والرجل الصعب كالعصفور ..
سألته : لماذا تبكي ..فالموت حق ..وكلنا لها فما نحن الا سطور كتبت بماء ..
قال لي : ابكي على نفسي…




