صالون الصريح

صلاح الدين المستاوي يكتب: من عادات أهل تطاوين في الاحتفال بالمولد النبوي الشريف

mestaui
كتب: محمد صلاح الدين المستاوي

من عادات أهل تطاوين التي عشتها منذ نعومة أظفاري في المناسبات العائلية والاجتماعية والدينية والتي أصبحت ويا للاسف تختفي تاركة المكان لعادات اخرى يبدو فيها التقليد الذي وراءه أسباب عديدة يضيق مجال استعراضها..

في الأيام الأخيرة انتقلت الى تطاوين في زيارة عائلية اقتضاها التواصل الأسري الذي لا انفكاك عنه، أذكر من العادات الجميلة التي عشتها في مرحلة الصِبَا فقد كانت قرية الرقبة (وهي اليوم حي من أحياء تطاوين المدينة والمنطقة البلدية) اننا في شهر ربيع الأول وهو شهر المولد النبوي الشريف كان الاحتفال به لا يختلف عن الاحتفال بعيدي الفطر والاضحى لا بمعنى أن الناس يعتبرون المولد عيدا دينيا ثالثا…كانوا يسمونه (المولد وكفى) ولكنهم كانوا يُعبرون عمليا عن الفرحة بمولد رسول الله صلى الله عليه وسلم المشروعة..

الفرحة في الإسلام

والفرحة في الإسلام مشروعة بكل ما فيه الخير الذي يسبغه الله على عباده وما أكثر نِعم الله عليهم (مالا وبنين وصحة وهناء وألطافا إلهية ظاهرة وخفية (وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها)، ولا يختلف عاقلان ان من أعظم نِعم الله على المسلم أن جعله من أمة هذا النبي الكريم، وأن هداه الله الى الدين الذي بعثه به للناس كافة…

فإذا الفرحة بالعيدين الذين يُتوج بهما المسلم عبادتين وفقه الله للقيام بهما وهما الصوم والحج واحياء سنة الأضحية وسن له فيهما الفرحة العملية بأداء الزينة والتوسعة في المأكل والمشرب والملبس و(الله يحب ان يرى اثر نعمته على عبده) فإن الفرحة برسول الله صلى الله عليه وسلم لا ينبغي أن تتخلف وكيف لا ورسول الله صلى الله عليه وسلم هو سبب وسيلة كل خير بالنسبة للمسلم في عاجل الحياة الدنيا والآخرة، ويوم ميلاد رسول الله صلى الله عليه وسلم هو يوم من أيام الله التي أمر الله أن يقع التذكير بها (وذكرهم بأيام الله)..

ثم إن اعتبار يوم المولد هو يوم شكر لله صدر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم نفسه حين جاءه من يستأذنه في صوم يوم الاثنين قال له (ذاك يوم ولدت فيه وبعثت فيه) وشكر الله يكون بما هو من قبيل الشعائر ويكون بكل وسيلة من وسائل التعبير عن الشكر لله (بالأكل والشرب توسعة على العيال واكراما للضيوف وهي من صفات المؤمن ومن عادات العرب التي أقرها عليها الإسلام وفي الحديث ( الكريم قريب من الناس قريب من الله قريب من الجنة)
و اغتنام هذا اليوم لاستعراض سيرة وشمائل رسول الله صلى الله عليه وسلم وذكره بالصلاة والسلام عليه وهي من اعظم القربات فذاك حديث أو مضينا فيه لما انتهى هذا المقال والاطلالة على القارىء..

يوم الإكرام

نعود الى ما اعتدناه وعشناه منذ سنوات الصبا في تطاوين أن يوم المولد هو يوم استضافة الاهل ويوم الاكرام لهم خصوصا الاخوات والعمات والخالات وكذلك الذكور من الاقارب
وهذا الاكرام هو كانت تجتهد فيه الامهات..
بإعداد قصاع الكسكسي بلحم الخروف وقد يكون (مسلان أي شاة كاملة غير منقوصة) يقع استضافة النساء في منازل الأهل اما الرجال فإنهم تاني لهم قصاع الكسكسي باعداد كبيرة تكاد تقدم كل أسرة قصعتها وتجمع هذه القصاع في منزل الاكبر سنا أو شيخ العلم اذا كان من بين تلك الأسرة الموسعة من هو شيخ علم..
وكان منزل الوالد رحمه الله في الرقبة محل اللقاء في يوم المولد ويتوزع الحاضرون على القصاع وتتباهى فيما بينهن النساء بقصاعهن جودة وكمّا.
ويكون يوم المولد مناسبة للاجتماع والتزاور ويوم إكرام الأهل وما في ذلك من تجسيم للتحابب ونبذ الفرقة والاختلاف وكل ذلك من صميم تجسيم الهدي القويم الذي جاء به رسول صلى الله عليه وسلم..

عادات تضعف..لماذا؟

هذه ذكرى من الذكريات الجميلة التي ظللت اتذكرها ولكن ويا للاسف الشديد اصبحت هذه العادات و التقاليد والسنن الحميدة تضعف شيئا فشيئا لأسباب عدة منها أن الناس بحكم الظروف لم يبقوا حيث كانوا في مكان واحد فقد توزعوا و قل تردّدهم على مسقط رؤوسهم ومنها ايضا هذا (الإسلام الجديد)!! الذي لا عهد لنا به وأعني به الفهم الحرفي للنصوص الدينية وقد غزتنا بمختلف الوسائط بجحافل من (الدعاة) ذوي الإمكانات الكبيرة والدعم من جهات معينة يشددون النكير على اعتبار الاحتفال بالمولد ( لم يحتفل الرسول صلى الله عليه وسلم بالمولد ولم يحتفل الصحابة بالمولد فكيف للمسلمين أن يدعوا إلى هذه البدعة!! حسب دعواهم وهي ضلالة وكل ضلالة في النار!!
تنطلق في مثل هذه الأيام ابواق غير مجهولة المصدر في النكير الشديد على من يحتفلون بالمولد، هذه هي قضيتهم ولا يخفى ما فيها من ضيق أفق وهي والعياذ بالله تدعي والاستظلال بالحفاظ على السنة ومحاربة الشرك بالله يصل بها هذا التمشي الى حالة من الاستهانة برسول الله صلى الله عليه وسلم والتحقير من شأنه والتنقيص من قيمته وكل ذلك من أكبر الكبائر والعياذ بالله…

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى