الصريح الثقافي

‘رمضانيات رواد’ في دورتها الأولى بين العروض الثقافية و الفنية و المسامرة الأدبية

كتب: شمس الدين العوني

تميزت عروض سهرات فعالية ” رمضانيات رواد ” المنتظمة ما بين 15 و 25 من شهر مارس الجاري بالتنوع بين الفني و الثقافي و الأدبي ..و ضمن فعاليات سهرات رمضان الثقافية شهدت دار الثقافة برواد بإشراف المندوبية الجهوية للشؤون الثقافية عددا من الأنشطة الثقافية و الفنية وبحضور جمهور و أحباء الثقافة و الإبداع.

ومن هذه الفقرات خلال السمر الرمضاني تلك المسامرة الأدبية لسهرة الخميس 20 مارس التي كانت ضمن عنوان “مؤانسات رمضانية…بين الذاكرة والشعر” حيث تم خلالها تقديم مداخلة حول المجالس الأدبية والثقافية بتونس خلال قرن للكاتب محمد المي بالاضافة الى قراءات شعرية للشاعرين عادل الجريدي و شمس الدين العوني مع مراوحة موسيقية للفنان المنذر اليعقوبي.

نقاش

المداخلة التي قدمها الكاتب محمد المي شفعت بنقاش من قبل الحضور لأهمية ما أتت عليه من تفاصيل تخص المجالس الثقافية و الأدبية التي شهدتها تونس و أجوائها و روادها و باعثيها و أثرها في المشهدية الأدبية فضلا عن أدوارها في الحراك الثقافي و الأدبي عبر مراحل مختلفة خلال قرن.
و كانت المداخلة كالتالي “…لعبت المجالس الأدبية دورا أساسيّا في الحياة الأدبيّة والفكريّة ببلادنا منذ نهاية القرن التّاسع عشر إلى نهاية القرن العشرين ولم تكن مجرّد جلسات للتفكّه والتندّر بل انبثقت منها العديد من المشاريع السياسيّة والثقافيّة والصحفيّة التي لا يزال أثرها قائما الى يوم النّاس هذا ونتيجة الدّور الهام الذي لعبته هذه المجالس في تاريخ الحركة الفكريّة والأدبية فقد تناولها بالدّرس العديد من الكتّاب قبلنا وسنستعرض بعضها هنا: تاريخ المجالس الأدبية في تونس

دكاكين الثقافة بتونس

تحت عنوان : “دكاكين الثقافة بتونس ” (1)طالعتنا جريدة الأسبوع لصاحبها نورالدين بن محمود بمقال قصير كثير المعلومات هذا نصّه :
” كان الأدباء التّونسيّون والمفكّرون يجتمعون في دكاكين نستطيع أن نسمّيها دكاكين الثقافة أو هي نوادي رجال التفكير في أواخر القرن الماضي وأوائل القرن الحاضر وهي دكان الشيخ بكار العنابي بجهة القصبة قرب تربة لاز . ودكان الشيخ خميس القبايلي بالعطارين على يمين الداخل للخلدونية ودكان الشيخ محمد الستاري في مقهى العطارين الحالي مدخل نهج الغرابلية هناك يجتمع سراة الأمّة من شيوخ مدرسين ومن أعيان الأدباء والكتاب . أما الطبقات العليا فقد كانت تجتمع بنادي آل البكوش بأريانة وبنادي آل زروق بجبل المنار .
وإذا كان أدباء ما بعد الحرب الأولى يجتمعون بنادي قدماء الصّادقيّة فانّ أدباء اليوم – نظرا للرقي الحاصل – يجتمعون بالطريق العام ليستمدّوا وحيهم من المطر المنهمر ومن الشمس المحرقة أو يجتمعون بمقاعد الأرتال والقطارات إذا سمحت الصدف .
متى يؤسس عندنا مقهى أدبي أو نادي الأدباء أو دار الأديب ..”
مجلس الأميرة نازلي فاضل في تونس
كما نطالع في كتاب أركان النهضة الأدبية للشيخ محمد الفاضل ابن عاشور حديثا عن أول مجلس أدبي تونسي عقدته الأميرة نازلي فاضل زوجة الصدر الأعظم خليل بوحاجب ويعود تاريخه إلى سنة 1899 عندما جاءت لأول مرّة إلى تونس يقول عن هذا المجلس :
” (..) قرّرت الاستقرار بتونس واختارت أسرة الشيخ سالم بوحاجب لها أسرة جديدة فتزوّجها ابنه خليل وسافر للبناء بها في القاهرة على تقاليد البيت المالك المصري سنة 1315 / 1899 ثم رجع وإياها إلى تونس فاتخذ لسكنهما بستانا أنيقا بضاحيّة المرسى وسرعان ما أصبح لقصرها في تونس ما كان لقصرها بمصر من الأثر .
فالتأم حولها ناد إصلاحي أدبي تلاقت فيه العناصر والأجيال واجتمعت الآراء والمعارف والنكت وعلى ما أثر ذلك النّادي في تقارب العناصر المفكرة وتلاقحها وعلى ما أثر في توجيه الذوق الأدبي وشدّ عضد النهضة الفكريّة . فانّه قد أثر تأثيرا أسمى من ذلك كلّه في ما ضرب من مثل للمرأة التونسيّة بالمرأة الراقية التي ليست بأوروبية المتعلمة ليست منسلخة عن القوميّة (..) ”
من روّاد مجلسها نذكر : سالم بوحاجب وابنه خليل ومحمد الطاهر ابن عاشور وعلي بوشوشة والطاهر صفر وعلي باش حامبة وعبد الجليل الزاوش وعلي الورداني وحمزة فتح والإمام محمد عبده ..الخ

مجلس شيخ الأدباء بمقهى ‘البانكة العريانة’

كما نطالع في مجلّة المباحث (3) مقالا كتبه مؤسسها محمد البشروش باسمه المستعار وهو (القروي) متحدّثا عن المجلس الأدبي لشيخ الأدباء محمد العربي الكبادي في مقهى البانكة العريانة يقول :
” هذا المقهى لو قدّر لك أن تدخله في صباح أحد الأيّام من العاشرة إلى بعد الزوال بساعة إذا لرأيت رهطا من رجال الأدب يجتمعون وهم بين الشيخ والكهل والشّاب ’ ويستمعون إلى الأستاذ الكبادي وهو ينتقل على دلّه بين ما تحويه ذاكرته الواعية من مختار النظم والنثر ويخيل إليك وأنت في المقهى أنك في مصرف حقيقي ولكن …لا مال فيه وهو على كل مصرف فيه الخواطر وقوالب الكلام تلك القوالب والتي أَغرق الأدب في لجّتها همومه وهواجس حرمانه (…) وهكذا نرى هذا المقهى مصرفا من مصارفنا الأدبيّة ولكن قاعدة الأخذ فيه مسجّلة عن قاعدة الأخذ والعطاء والأدباء لا يأتون الى هنا الا بقصد الأخذ كما لو كانوا يذهبون الى المدرسة واذا كنّا لا نستطيع أن نكذب فنقول بانعدام التبادل فلا أقل من أن نقول بقلّته وندرته . ولهذا لا يحمى الوطيس فيه ولا تضجّ جنباته ولا يكاد يعلو في فضائه صوت غير صوت الأستاذ الكبادي صادي النبرات . هكذا شاء الأدباء أن يكون هذا المقهى مصرفا من مصارفهم وسيبقى مصرفا وما أحسب أنّه يتجاوز هذا الاعتبار ”
من روّاد هذا المجلس نذكر كلّ من : الطيب بن عيسى وعثمان الكعاك والطاهر الحداد وحسين الجزيري ومحمود بورقيبة ومحيى الدين القليبي والصادق مازيغ ومحمد البشروش ومحمد الصالح المهيدي وأبو القاسم الشابي ..الخ .

مجلس جماعة تحت السور

جاء هذا المجلس كاحتجاج على مجلس شيخ الأدباء محمد العربي الكبادي في مقهى البانكة العريانة حيث كانت المقهى لا تبث في الراديو سوى الأغاني اليهوديّة أو الشرقيّة فضلا عن سيطرة العربي الكبادي على مجلسه الذي لا يعطي الفرصة للشبّان الجدد للتعبير عن آرائهم وأغلب قصّاد مجلسه من المناصرين لحزب الشيخ الثعالبي فأسسوا مجلسا لهم في مقهى آخر وضمّ في البداية كل من : علي الدوعاجي ومحمد العريبي والهادي العبيدي وعبد الرزاق كرباكة وعمر الغرايري وعبد العزيز العروي وجلال بن عبد الله وعبد السلام الأرناؤوط وكانوا يشترطون في البداية ألاّ ينضم إلى مجلسهم إلا من كان في اسمه أو لقبه حرف العين ولكنهم تنازلوا على هذا الشرط وفتحوا الباب إلى: مصطفى خريف وصالح الخميسي ويحيى التركي وبيرم التونسي والهادي الجويني.
ومن هذا المجلس صدرت صحف على غرار السرور لعلي الدوعاجي والهلال للعروي والدستور لخريّف والصّريح للعبيدي والشباب لبيرم التونسي ..الخ

وتكوّن مجلس نادي القلم في أوائل الخمسينات وكان أعضاؤه يجتمعون في مكتب كائن بنهج الكوميسيون ومن أعضائه : محمد العروسي المطوي والشاذلي القليبي ومحمد مزالي والدكتور الطاهر الخميري والجيلاني بن الحاج يحيى وامحمد المرزوقي وكان أغلب هؤلاء ينشرون انتاجهم الأدبي في مجلّة النّدوة المتعثرة الصّدور بإمضاء فلان من أعضاء نادي القلم ومن هذا النّادي خرجت فكرة إنشاء مجلّة الفكر لمحمد مزالي وكتاب البعث لأبي القاسم محمد كرّو .

أسرة رابطة القلم

وفي نهاية الخمسينات وبداية الستينات من القرن العشرين أنشئت جماعة أخرى كانت تجتمع في مقهى الدّيوان أطلقت على نفسها أسرة رابطة القلم الجديد كان من بين أعضائها : عبد المجيد التلاتلي ونورالدين صمّود ومنوّر صمادح والشاذلي زوكار وعلي شلفوح والهادس نعمان ..وأقامت عدّة ندوات وحفلات تكريم للأدباء كالتكريم الذي أقامته لمنوّر صمادح عندما أصدر ديوانه : الفردوس المغتصب وكانوا يمضون مقالاتهم بفلان عضو رابطة القلم الجديد .
وفي مقهى المغرب تكوّن مجلس أدبي كان يؤمّه كلّ من علي الجندوبي وامحمد المرزوقي وعزالدين المدني والبشير خريّف والهادي نعمان وعبد الرؤوف الخنيسي ..الخ .
وفيما أعرف فانّ آخر هذه المجالس هو مجلس مقهى باريس الذي كان يتصدّره الأستاذ بوزيا السعدي وكان يجتمع فيه العديد من الأسماء على غرار جعفر ماجد وفتحي اللواتي وعبد السلام المسدي ومحمد صالح بن عمر وحسن نصر والهاشمي الطرودي ومحمود عبد المولى ونورالدين صمّود ..الخ
هذه المجالس لم تكن حكرا على العاصمة بل كانت في الجهات الدّاخلية أيضا وقد كتب محمد الحليوي مقالين في جريدة الأسبوع عن تاريخ المجالس الأدبية في القيروان في جريدة الأسبوع (4)
ختمه بهجاء ثلاثة شعراء لناديهم الذي تجمعت فيه الأوساخ وبنى فيه الخطاف أعشاشا وامتلأت أركانه بالغبار وما كانوا ليرضون بتلك الحال لولا وجود بعض المجلات التي تتصدرها صور النساء للإشهار عن البضاعة فألفوا هجائية نقتطف منها بعض الأبيات التي صاغها ثلاثة شعراء :
يقول الأوّل :
وناد كجحر الضبّ أما بناؤه فشخت وأما بابه فضئيل
إذا اجتاز منه عتبة الباب داخل تخيّر لو أنّ الصراط سبيل
وإما أجلْتَ الطّرْفَ في عرصاته شعرتَ بضيق الفؤاد يجول
تجمّع فيه الشؤم واللّؤم كلُّه وقامت عليه آية ودليل
وقال الثاني :
حوت أرضُه أرضا من التُّرب مثلها تضيق شقوق دونها وفلول
وفيه شبابيك ٌ تسحّ حُصاصها ترابا له طول النّهار دخول
وأبوابه تمشي ذُهوبا وجيئة ” اذا الرّيح مالت ملن حيث تميل ”
فيا لهف نفسي عن “هلال ” معفّر ومائدة خضراء كيف تؤول
وقال الثالث :
واما جلسنا نقتل الوقت ساعة ونبغي سراح الطّرف وهو كليل
تهاوت من السّقف المخرّق فوقنا فواضل خطاف هناك حُلول
فما شئت من ريش وزغب منشر وما شئت من ذرق تراه يسيل
وهنا يتدخّل الأول ليرى في مجلسهم حسنة واحدة على الأقل فيقول :
فلولا مجلاّت تفرّج غمّنا وتشغلُنا عن قبحه وتحول
يسلّيك فيها نهد هيفاء كاعب ويغريك جيد أتلع وصقيل
وينسيك همّا ثغر حسناء باسما وطرفا لربّات الحجال كحيل
لمَا بقيت أرواحنا في جسومنا ولا ساقنا نحو الفرار ذميل
هذه بسطة عجلى عن تاريخ المجالس الأدبيّة في بلادنا كانت سائدة أمّا اليوم فقد تبدّلت عادات الأدباء والكتّاب واختلفت مشاغلهم وزادتهم هموم الحياة تشرذما وتفرّقا لذلك لم يعد لهذه المجالس أي ذكر وأصبحت كما ترون من حكايات الزمن الماضي…”.
مداخلة مهمة و نقاش حول مضمونها و قراءات شعرية على ايقاع المعزوفات الموسيقية في سهرة رائقة من سهرات “رمضانيات رواد” و قد حضرها الشاعر بلقاسم الشابي المعروف ب”باسي” و هو رفيق درب الشاعر الراحل رئيس اتحاد الكتاب التونسيين الأسبق الميداني بن صالح و قرأ “باسي ” قصيدا حيث تم الاحتفاء به من قبل المنظمين و الحضور و منهم الكاتب فاخر الرويسي و المسرحي حمادي دخيل و المسرحي البغدادي عون الذي كان له عرض فني ضمن برنامج هذا المهرجان الرمضاني بعنوان ” الحكواتي “.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى