صالون الصريح

التسول بواسطة الغناء والميكرفون؟..

beji
كتب الفنان الناقد: عز الدين الباجي

في زمنٍ انقلبت فيه المقامات، لم يعد الغناء رسالةً تهمس في الروح، ولا الفنّ وجعًا جميلاً يُهذّب القلب، بل صار حفلة استجداءٍ يُستدرَج إليها الجمهور للعب دور المغنّي ـ بمقابلٍ مالي.

المطرب لم يعد يصدح، بل يستنجد، والجمهور لم يعد يصغي، بل يؤدّي دوره المؤقّت في مسرح التزييف.
«يالله نغنّي» لم تعد نداءً للفرح، بل شعارًا لزمنٍ فقد القدرة على الإصغاء.

التسول بالميكروفون!

وكأنّ الميكروفون أصبح صندوق صدقات صوتيًا، تُلقى فيه النغمات كما تُلقى النقود المعدنية في يد المتسوّل عند ناصية الحلم.
إنّه الفراغ الفكري والفني لمصمّمي هذه الحفلات، الذين حوّلوا مسارحنا إلى فضاءات تُداس فيها القيمة تحت أقدام الربح السريع، ويُقدَّم فيها المردود المادّي على الذوق الجمالي.
هناك، يصبح التسوّل الفني من أصحاب هذه الحفلات التنكرية باسم الفن ظاهرةً تستحقّ الوقوف في وجهها؛ دفاعًا عن الذوق، وعن الغناء من براثن الابتذال والتسليع.
الخطر لا يقف عند حدود الذوق وحده، بل يمتدّ إلى العمق ذاته للإبداع.

يُكافأ التهريج

حين يُكافأ التهريج ويُحتفى بالادعاء، تُهمّش الأصوات الأصيلة، وتُطفأ شموع الموهبة الحقيقية.
المسارح تختنق بالضجيج، والفنانون الحقيقيون يُقصون لأنهم لا يملكون الجرأة على بيع فنّهم في أكشاك الترفيه الرخيص.
وهكذا يتحوّل الإبداع إلى مشروع تجاري قصير العمر، ويغدو الصوت الحقيقي غريبًا في سوق تصرخ ولا تُغنّي.
هذا الانفلات لا يدمّر الذوق فحسب، بل يفقد الفنّ مصداقيته ورسالته الإنسانية.
حين يختلط الغناء بالتسوّل، والمسرح بالاستعراض التجاري، يصبح الجمهور شريكًا في الجريمة دون أن يدري — يدفع ثمن التذكرة ليرى سقوط الفن حيًّا أمامه.
الخطر الأكبر أن يتحوّل الزيف إلى عادة، والابتذال إلى معيار نجاح، والموهبة الحقيقية إلى استثناء يُسخر منه بدل أن يُحتفى به.

التسوّل المقنّع باسم الفن!

على صعيدٍ آخر، هناك لعب خفي على الحالات النفسية للمواطن، على توتره وإرهاقه وضغوطه الحياتية.
فيرى في استجابته لهذا التسوّل المقنّع باسم الفن هروبًا مؤقّتًا من مشاغل الدنيا وهمومها؛ هروبًا لبضع ساعاتٍ من الواقع، يعيده بعد انطفاء الأضواء إلى الفراغ نفسه الذي حاول أن يهرب منه.
ومع ذلك، توجد فضاءات أخرى لا تغدو في مرتبة الأذى ذاته: نوادي الغناء التي يمكن أن تَلعَب دور متنفس لمن يبحث عن متنفسٍ لحظي.
رغم صبغتها التجارية البحتة، فإن بعضها يوفر قدرًا من التأطير والتكوين؛ مساحات تمنح المستمع فرصة المشاركة تحت إشراف شبه مؤسساتي، فتخفف وطأة الاستعراض الهادر وتبقي على هامش من الجدّية الفنية.
هي إذًا أقل الأضرار — ليست حلًا كاملاً، لكنها أقل قسوة من الحفلات التنكرية التي تهدّم قطاعًا فنيًا بأسره حين تتحوّل القيم إلى بضائع رخيصة، وأداة تسوّل أنيق.

الفن الحقيقي رسالة

في هذا السياق، يصبح من الضروري إدراك أنّ الفن الحقيقي ليس مجرد صوت يُسمع، ولا مسرح يُضاء، بل رسالة تلتقط الروح وتلهب الخيال وتحرّك الفكر.
على الفنانين، والجمهور، والهيئات الثقافية، أن يتحملوا مسؤولياتهم في حماية الإبداع من الانحراف نحو الاستعراض التجاري الجافّ، ومن الانخراط في تسوّل أنيق يُشوّه القيمة ويضيع الموهبة.
إن الحفلات المهيكلة، والدورات التدريبية، والنوادي التي تحافظ على حد أدنى من التأطير والذوق الفني، رغم طابعها التجاري، تظل ملاذًا حقيقيًا لتنشئة فن أصيل وضمان استمرارية الصوت الموهوب في مشهد يُهدد الابتذال استقراره.
وبهذا، يمكن التأكيد أنّ الفن الذي يحافظ على رسالته وصدقه، مهما واجه من صعوبات، هو وحده القادر على أن يظل منارة للجمهور ويعيد التوازن إلى سوق فني مهدّد بالزيف والتسليع.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى