الأمين الشابي يكتب: لا أحد يربح في الحروب..فمن تورط فيها خسر حتّى وإن ربح..


كتب الأمين الشابي
مهما تفننت الجهات المتقاتلة في الحروب بادّعائها الانتصار في حربها على الطّرف الآخر، فهي بالأساس كاذبة وادّعاؤها لا يمت للواقع بصلة، بل إنّ الواقع، ومهما كان تفوق تلك الجهة التي تدّعي الانتصار عدّة وعتادا، يكذّبها وينشر الحقيقة بلا رتوش ولا تزييف…
باعتبار وأنّ الحروب لا تنتهي بسكوت البنادق، بل بما تحدثه هذه الحروب، بعد ايقافها، من دمار مادّي ونفسي على الأطراف المتقاتلة. ولنا في تجارب الحروب إرث ثقيل مازال أصحابه يعانون ويلاته إلى زمننا هذا، رغم ربّما مرور العقود على تلك أو هذه الحرب.
وحتّى لا نضيع في متاهات كلّ الحروب التّي شهدها العالم، وما ترتّب عنها من خسائر وخراب وقتل وترويع ونزوح واغتصاب وامتلاء السجون، فإنّنا سنتناول في هذه الورقة – من باب الحصر – الاختصار على الحرب الأخيرة بين اسرائيل والفلسطينيين – وتحديدا تلك التي عاشها قطاع غزة – ولنرى، رغم انخرام ميزان القوى بين الطرفين، كم عانت الجهتين المتحاربتين من معاناة جمّة ولازالت هذه المعاناة متواصلة إلى حدّ كتابة هذه الأسطر.
خسائر بالجملة للجهة التّي تدعي “الفوز”
نعم، وبحكم عدم توازن القوى الفادح بين الكيان وفلسطين عموما والمقاومة تحديدا، وما ترتب عن ذلك من خسائر في الأرواح ودمار تقريب شامل في جلّ قطاع غزة جرّاء هذا التفوق العسكري للكيان الصهيوني. نعم خسرت المقاومة الكثير بدليل وأن هذه الحرب، حسب إحصاءات وزارة الصحة في غزّة، خلّفت منذ 7 أكتوبر 2023، أكثر من 67 ألف شهيد و 170 ألف جريح – معظمهم من الأطفال و النّساء فضا عن وفاة حوال 460 شخصا بسبب المجاعة ولكن، هذا لا يعني وأنّ الكيان، الذي يدعي فوزه في هذه الحرب، خرج منها سالما ولم يشهد أيّ خسارة من جهته. بل العكس هو الأقرب للواقع ولكم أكثر من دليل على ذلك.
خسائر الكيان هامّة رغم التعتيم
وفي المقابل، خسر الكيان، رغم تفوقه ووقوف أكثر من 14 دولة إلى جانبه – بالعتاد و المال و المعلومات – وعلى رأسها أمريكا، فإن هذا الكيان خسر، هو الآخر، الكثير ماديا و معنويا. حيث أسفرت عملية 23 أكتوبر وفي يومها الأوّل عن مقتل حوالي 1180 اسرائيليا وأسر 251 آخرين وذلك وفقا لمعهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي. كما أفاد بيانات الجيش بإصابة 6313 عسكريا بينهم 2952 جريحا خلال المعارك البرية. غير أنّ معهد دراسات الأمن القومي أشار في تقريره إلى أنّ عدد المصابين العسكريين الإجمالي قد يصل إلى 20 ألفا. أفاد المعهد بأن الحرب تسببت في نزوح 164 ألفا و500 إسرائيلي من منازلهم، عاد منهم نحو 85% منذ مطلع 2025.
أمّا خسائر الكيان المعنوية والاقتصادية، حيث تمّ هروب لرأس المال والاستثمارات وبالتالي غلق شركات لأبوابها وخاصّة هروب النخبة الإسرائيلية، وما يعنيه ذلك من خسارة فادحة في هروب الأدمغة الفاعلة.
كما خسر الكيان، جرّاء هذه الحرب، مكانته الدولية بسبب العزلة والعقوبات وتعطيل اتفاقات السلام مع دول المنطقة فضلا عن قطع الكثير من العلاقات التجارية معه. بل فقد هذا الكيان المجرم، مكانته الأخلاقية أمام المجتمع الدولي وتضررت علاقاته الديبلوماسية، إضافة إلى تصاعد الانتقادات الغربية تجاهه لطبيعة عملياته العسكرية في قطاع غزّة.
الادعاء بالفوز في الحروب هو ادّعاء باطل
وأمام هذه الأرقام والخسائر الفادحة خاصّة في الأرواح، فعن أيّ منطق للربح والفوز يتحدث البعض؟ رغم كل ما يقال حول التعبئة والاستعداد للحرب على كافة الصعد و التفوق العددي و العسكري و التسلح، فإن الحرب باعتبارها لغة هي قتال بين طرفين، فمن البديهي وأنّ الطرفين – بالرغم من كل المعلومات التي قد تكون في حوزة هذا الطرف أو ذاك عن الخصم و بالرغم من الوسائل و العتاد التي له – فإنّ للحروب مفاجآتها. وبالتالي لا يغرّنّك انخرام توازن القوى بين المتحاربين.
ويكفي أن نستدّل بحرب الكيان على غزة والمفاجآت التي حصلت رغم تباعد ميزان القوى بين الطرفين. وبالتالي مهما خططنا لمثل هذه الحروب، فإنّ الادّعاء فيها بالفوز، بالاعتماد فقط على التفوق العسكري والعددي، هي معادلة مغلوطة من أساسها.
فكم شهد العالم من حروب بين فئات ضعيفة ولكن أبلت البلاء الحسن مثل هذه الفئات الضعيفة وأطردت العدو الذي هرب مهرولا. فالحرب بالتالي ليست عتادا بل إرادة وتخطي لتحقيق النّصر والانتصار. والحروب الظالمة دائما ما تكبدّ الظالم والمعتدي فيها الخسائر الضخمة ماديا ومعنويا. وما الحرب الأخيرة بين الكيان والمقاومة الفلسطينية ولمدّة حولين كاملين، إلاّ دليل على ما ذهبنا إليه، حيث تفوقت إرادة المقاومة وصمودها على كلّ الحسابات الأخرى. وبالتّالي من يجزم وأنّ هذا الطرف ربح الحرب، فلا أحد يربح في الحروب، فمن تورط فيها خسر حتّى وإن ربح؟




