صالون الصريح

الأمين الشابي يكتب: ‘حمى الفوضى’ تجتاح أوروبا..وغموض يلّف الحقائق المدوية!

chebbi
كتب الأمين الشابي

ظاهريا الكل يفسّر ما يجري بفرنسا من شغب ومسيرات سببها المباشر الوضع بالمدارس لترميم مبانيها المتهالكة والتخفيف من الاكتظاظ بالفصول وخفض ساعات الدراسة… لكن في العمق المسألة أكثر من ذلك؟

هل فرنسا اليوم تدفع فاتورة استغلالها لمقدرات القارة الإفريقية؟ أم أن الإنفاق العالي بالقروض كشف المستور؟ أم أنّ الخوض والمشاركة في الحروب هي سبب البلية؟ أم أن “ترامب” مُحق في تحميل الهجرة كلّ ما يحدث من شغب في فرنسا وبقية الدول الأوروبية؟

أسباب موضوعية وراء ما يجري

تندرج أعمال الشغب والاحتجاجات والفوضى التي تجتاح القارة العجوز، في نظر البعض، ضمن أزمة هيكلية تتداخل فيها العوامل الاقتصادية، فأسعار الوقود على سبيل المثال لا الحصر قفزت في فرنسا إلى نحو 40 بالمئة زيادة وقس على ذلك ما تشهده بقية المواد الضرورية من ارتفاع في الأسعار.
وبالتالي الحكومات الأوروبية تواجه معضلة مزدوجة، فهي مطالبة بتقليص العجز المالي بموازناتها وبالتالي مُلزمة بالتقشف العام لحماية تصنيفها الائتماني. ولكن في الوقت نفسه يطالب المواطن بزيادة الدعم الحكومي ونوعية الخدمات العامة.

في حين يرى شق آخر من المحللين أن الوضع الحالي، وهذا الانفجار الشعبي مردّه بالأساس الاحتقاني الاجتماعي والشعور بعدم المساواة أمام عجز الحكومات الأوروبية على معالجة الفوارق الاجتماعية من الخدمات الأساسية، كالصحة والتعليم، وهذا ما يُولّد الشعور لدى العامة بأنّ هذه الحكومات تحمي أصحاب الثروات والشركات الكبرى على حساب تدهور الأوضاع الاجتماعية عموما. هذا الشعور ساهم في صبّ الزيت على النار وبالتالي حوّل الاحتجاجات السلمية إلى مواجهات نارية وشغب عارم في الشوارع.

هل الهجرة وراء تأجيج الأوضاع في أوروبا؟

للأسف الشديد، دأب بعض السياسيين على تحميل “الهجرة” مسؤولية ما يجري من فوضى في بعض دول القارة العجوز. وأبرز هؤلاء السياسيين، الذين بادروا بذلك، هو الرئيس الأمريكي “ترامب” متجاوزا بذلك كل الأسباب الحقيقية والموضوعية التي وراء تلك الفوضى. ولعنا أشرنا سابقا إلى البعض منها. ولكن يبقى بعض السياسيين ـ وما يحملونه من فكر اقصائي وضغينة وعنصرية تجاه من اختار الهجرة لتحسين أوضاعه الاجتماعية ـ يستغلون ظاهرة الهجرة للنيل من المهاجرين عموما ويحمّلون المهاجرين كل أسباب ما يجري من فوضى وخروج عن الصف…

تأويلات خاطئة

وبالتالي هي مناسبة لنقول لمن يحمل هذا الفكر اللا انساني والعنصري، بأن هؤلاء المهاجرين هم من بنيت على أيديهم ما ينعم به الآن الغرب من حضارة وتشييد وازدهار وتقدم صناعي. بل نضيف وأنّ استغلال خيرات ومقدرات القارة الإفريقية كانت وراء ما تنعم به مثلا فرنسا من رخاء وازدهار. وأنّ الطاقة ومشتقاتها – باعتبار عنصر أساسي لكل تقدم صناعي في الدول الغربية – تمّ جلبها من الدول العربية والإسلامية والافريقية عموما؟
وإنّ التأويل الأمريكي لما يجرى ببعض الدول الأوروبية من فوضى عارمة بسبب الهجرة، هو تأويل خاطئ من الأساس، خاصة تحميل فشل سياسة الاندماج والتعايش الثقافي مع الغرب والمهاجرين. بل العكس هو الصحيح حيث اندمج من هاجر وعلى أكثر من جيل في البلد المضيف لهم ونالهم وحصلوا على جنسية ذلك البلد وأصبحوا مواطنين، عليهم ما عليهم ولهم ما لهم…؟ فلماذا بالتالي زيادة تأليب الأوضاع خاصة مع تكرار مزاعم “ترامب” بأنّ احتجاجات التلاميذ دليل على هجرة خارجة عن السيطرة؟ بل وذكر “ترامب” في منشور له عبر منصة “تروث سوشال” أنّ ” فرنسا تحترق بسبب هجرة أناس قادمين من عالم مختلف يحملون الكراهية في قلوبهم”
تكاليف الحروب “الدنكي كشوطية” والقروض وراء نشر الفوضى..

فوضى تجتاح العالم

اعتقادنا راسخ، وأنّ هناك غموض يكتنف ما يجرى في بعض الدول الأوروبية بل وعبر العالم وما ينتظره؟ ولعلّ – في نظرنا المتواضع – وأنّ أهم أسباب تدهور الفوضى التي تجتاح العالم – والتي قد تأتي على البقية بعد قارة أوروبا – هي الجنوح إلى اختلاق الحروب الدنكيشوطية وما تعنيه من تكليف للتسلح فضلا عن التوجه للعيش على الاقتراض اللاّ مبرر و النزوح ؟
ودعنا نقولها وبدون مقدمات، بأنّه كلما اشتعلت حرب هنا أو هنالك إلاّ ووجدت أمريكا وحليفتها الكيان وراءها؟ لسبب بسيط ومهم في الآن نفسه، فهذه الدول لا تقدر على العيش بدون حروب وعربدة. والحروب بالنسبة لها وسيلة لابتزاز الدول واستغلال خيراتها وقدراتها المالية والمادّية. ونحن نعيش على وقع ما يحصل من حروب سواء تلك التي تدور رحاها بفلسطين المحتلة، منذ ما يزيد عن سبعة قرون، أو بمنطقة الشرق الأوسط عموما ولعل من أهمها الحرب الإيرانية والأمريكية؟
هنا، وبدون الدخول في الأسباب والمسببات، نقول أن مثل هذه الحروب وكل الدول التي وراءها تستنزفها تكاليف هذه الحروب ماليا وبشريا، ولعلّ ما يحصل في فلسطين وإيران وأوكرانيا أصدق مثال على ذلك. بل وهذه الحروب تؤدي، لا إلى عجز الحكومات فحسب على تحمّل تكاليفها بل وأيضا إلى خلق الفوضى العارمة عبر أكثر من دولة وعادة لا تكون لها لا ناقة ولا جمل في هذه الحروب، وذلك عبر ما تخلقه من موجات هائلة من النزوح داخليا وخارجيا وهجرة فضلا عن متطلبات حماية نفسها من الحروب عبر المزيد من الإقبال على اقتناء المعدات الحرب وبالتالي التسلح لكل ما طارئ. ممّا يجعل ضغطا هائلا وإضافيا على هذه الدول.

حروب لا تنتهي

وأمام ظاهرة انتشار الحروب، تجد بعض الدول نفسها مجبرة على المزيد من التسلح وبالتالي المزيد من التقشف في الإنفاق العمومي وبالتالي رفع الدعم على المواد الأساسية. هذا الوضع يضطرها إلى التوجه نحو المزيد من الاقتراض لمواجهة هذه المعضلة وإمكانية التوفيق بين الأوضاع الاجتماعية ومتطلبات التسلح؟ هنا قد تُقبِل الدول على الاقتراض، وهذا سيثقل كاهلها تجاه الدائنين أو قد تجنح إلى مزيد من طباعة الأوراق النقدية بلا غطاء اقتصادي ممّا يسبب تضخما جامحا يفقد المواطن القدرة الشرائية وبالتالي ينشر الفقر والجوع الذي يعتبران وقودا لانتشار الفوضى والخروج على الصف. وهذا ما يحدث حاليا بفرنسا ولا ولن تسلم منه بقية الدول؟

حروب الحلقة المُفرغة!

تتشابك الديون والحروب في حلقة مفرغة؛ فالحرب تدفع الدولة إلى الاقتراض، والديون تضعف الدولة وتجعلها عاجزة عن احتواء الأزمات. وتُظهر الشواهد التاريخية والحديثة أن العجز المالي الناجم عنهما هو المحرك الأساسي لانهيار العقد الاجتماعي بين الحاكم والمحكوم، وهو ما ينتهي عادة بتفشي الفوضى. وكلّ ما يدّعيه “ترامب” غير منطقي بأن الهجرة هي التي وراء هذه الفوضى بل نقول أنّ الحروب والاقتراض من أجل المزيد من التسلح هي وراء كلّ خراب؟ وبالتالي متى يتوقف جنون العظمة عند بعض القادة الأمريكان؟ ومتى ينهي الكيان حروبه لتستقر الأمور ويهنأ الإنسان؟

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى