أحلام مستغانمي: رحل التقي ابن التقي..

كتبت: احلام مستغانمي
تأخرت في رثائه .. ككلّ من أحببت…
لا جدوى من التسرّع ، ما دام الدكتور أحمد طالب الإبراهيمي لن يقرأ ما سأكتبه عنه . كم كان سيسعد .. لوفائي لموعد لم ينساه ذات معرض للكتاب.
رحل البارحة سيد الحضور البهيّ
الأنيق دومًا ، النزيه المتواضع ،الوطنيَ.
مضى كما جاء هذه الدنيا، مستقيم القامة ، منتصبًا ، فارغ اليدين ممّا فاز به غيره نصبًا و سطوًا من سقط المتاع .
التقيّ ابن التقيّ حمل اسم والده الشيخ بشير الإبراهيمي بما يليق به من إرث و عنفوان وطني ، فكان قدوة لكل من حظى برفقته أو التتلمذ على يديه ،
فقد كان رحمه الله، علما من أعلام الجزائر ، عايش كل تقلّبات التاريخ الجزائري ، وعانى كما أبي خلالها من السجن و عداوات الرفاق . يشهد كل من استمع إليه بسعة ثقافته المزدوجة و تنوّعها .
التقيت الدكتور أحمد طالب الإبراهيمي لآخر مرة في جوان / حزيران 2024 العام الماضي للاطمئنان عليه ، كان قد بلغ الثالثة والتسعين ولا يهم ، الرموز لا عمر لها ،
كما في الماضي كان ممسكا سيجارا في يده ، و مجلات سياسية على طاولته . قلت أن هذا اللقاء مغرٍ لذاكرتي ، صمت يبحث عن كلمة ثمّ أضاف ” و مشوّق ” .
جلست أمامه مرتبكة لثقتي أنني في حضرة التاريخ ، كانت للرجل في ذاكرتي طلّته الأولى . ذلك البهاء، و تلك الأناقة الملفتة، و الفصاحة المذهلة التي ورثها عن والده الجليل ، فهو سليل عائلة مترسخة في الدين .
برغم ذلك ، فليس لأحمد طالب الإبراهيمي من مثيل في الجزائر ، لإتقانه اللًغتين بكفاءة عالية ، فهو خريج كلية الطب في باريس في أربعينات القرن الماضي في زمن كانت فيه الدراسة في فرنسا كما النجاح نضال و تحدٍ في حدّ ذاته ، و هو مؤسس الحركة الطلابية أثناء الثورة ، عرف سجون فرنسا لسنوات وبعدها ظلم سجون الجزائر المستقلة…
يذكر له التاريخ أنه كان من رافق بومدين و لزمه كطبيب في رحلته الأخيرة إلى روسيا ، فهو الوفيّ الأمين ، و الوطني النزيه الذي لم يغيّر يوما مواقفه ، عندما كان في السلطة ولا يوم غادرها .
عندما قلت أنني سألتقيه، انتقلت فرحتي وارتباكي لأخي مراد ، الذي راح يحدّثني عنه طويلا ، كلامًا يمكن أن يشغل عدة مقالات ، فمراد درس على يد الدكتور أحمد طالب ، يوم كان وزيرا للخارجية وكان وهو الوزير الأكثر انشغالاً يجد الوقت ليحاضر تطوًعًا في المدرسة الوطنيّة للإدارة ، لينقل علمه و خبرته لإطارات المستقبل غيرة منه على تاريخ الجزائر وهويتها . على يديه تربّى جيل من الدبلوماسيين والسياسيين الجزائريين الأكفاء.




